إن الإنسان لربه لكنود
[العاديات: 6]. لإن الإنسان لا يتذكر أحيانا أن مهمة عقله الأولى هي أن يعقل حدوده، وأن يقول لنفسه: ما دامت الحيوانية في مقهورة، وما دامت الجمادية في مقهورة فلأكن مؤدبا مع ربي، وأجعل منطقة الاختيار على مراد منهج الله. وأنت إن أردت أن تضع إحصائية ل " افعل " ولا " تفعل " لوجدت ما لم يرد فيه تكليف ب " افعل " و " لا تفعل " لا يقل عن خمسة وتسعين في المائة من حركة الحياة، وهو المباح. وأنزل الله - سبحانه - التكليف لتنضبط به حركة حياتك كلها - إن جعلت التكليف هو مرادك - وهو لن يأخذ أكثر من خمسة في المائة من حركة الحياة، ويعود خير ذلك عليك. فساعة يقول لك التكليف: عليك أن تزكي عن مالك، فلا بد لك من أن تقدر المقابل، لأنك إن افتقرت واحتجت سيأتيك من زكاة الآخرين ما يلبي احتياجاتك، فمن " افعل " التي تلتزم بها ويلتزم بها غيرك تأتي الثمرة التي تسد عجز أي ضعف في المجتمع الإيماني بالتراحم المتبادل النابع عن اليقين بالمنهج. وحين يقول لك التكليف: لا تعتد على حرمات الغير، فهو يقيد حريتك في ظاهر الأمر، لكنه يحمي حرماتك من أن يعتدي عليها الغير، وحين تتعقل أوامر التكليف كلها ستجدها لصالحك سواء أكان الأمر ب " افعل " أو " لا تفعل ".
وهنا يقول الحق - سبحانه: ﴿ ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة.. ﴾ [هود: 118]. و " لو " تفيد الامتناع. أي: أن الله - تعالى - لم يجعل الناس أمة واحدة، بل جعلهم مختلفين. وقد حاول بعض من الذين يريدون أن يدخلوا على الإسلام بنقد ما، فقالوا: ألا تتعارض هذه الآية مع قول الله:
كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين..
[البقرة: 213]. وظن أصحاب هذا القول أن البشر لم يلتفتوا إلى خالقهم من البداية ثم بعث الله الأنبياء ليلفتهم إلى المنهج. ونقول لهؤلاء: لا، فقد ضمن الحق - سبحانه - للناس قوتهم وقوام حياتهم، وكذلك ضمن لهم المنهج الإيماني منذ أن أمر آدم وزوجه بالهبوط إلى الأرض لممارسة مهمة الخلافة فيها، وقال الله - سبحانه:
فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى..
[طه: 123]. ولو استقصى هؤلاء الآيات التي تعالج هذا الأمر، وهي ثلاث آيات فهنا يقول الحق - سبحانه: ﴿ ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة.. ﴾ [هود: 118]. وفي الآية التي ظنوا أنها تتعارض مع الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول - سبحانه:
كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جآءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم
[البقرة: 213]. وهكذا نعرف أن الحق سبحانه وتعالى أنزل المنهج مع آدم - عليه السلام - ثم طرأت الغفلة فاختلف الناس، فبعث الله الأنبياء ليحكموا فيما اختلف فيه الناس. إذن: فقول الله - تعالى: ﴿ ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة.. ﴾ [هود: 118]. يعني أنه - سبحانه - لو شاء لجعل الناس كلهم على هداية لأنه بعد أن خلقهم وأنزلهم إلى الأرض وأنزل لهم المنهج كانوا على هداية، ولكن بحكم خاصية الاختيار التي منحها الله لهم، اختلفوا. ثم يقول الحق - سبحانه: ﴿ ولا يزالون مختلفين.. ﴾ [هود: 118]. أي: أنهم سيظلون على الخلاف. ويأتي الحق - سبحانه وتعالى - في الآية التالية بالاستثناء فيقول: ﴿ إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك... ﴾.