والآخرة خير وأبقى
[الأعلى: 17]. ويقول سبحانه:
وما عند الله خير وأبقى..
[القصص: 60]. إذن: فإياك أن تنظر إلى الذاهب، ولكن انظر إلى الباقي. وإذا عضت الإنسان الأحداث في أي شيء، نجد أن سطحي الإيمان يفزع مما ذهب، ونجد راسخ الإيمان شاكرا لله تعالى على ما بقي. وها هو ذا سيدنا عبد الله بن جعفر - رضي الله عنه - حينما جرحت ساقه جرحا شديدا، وهو في الطريق إلى الشام، ولحظة أن وصل إلى قصر الخلافة قال الأطباء: لا بد من التخدير لنقطع الساق المريضة، فقال: والله ما أحب أن أغفل عن ربي طرفة عين. وكان هذا القول يعني أن تجرى له جراحة بتر الساق دون مخدر، فلما قطعت الساق، وأرادوا أن يأخذوها ليدفنوها لتسبقه إلى الجنة إن شاء الله قال: ابعثوا بها، فجاءوا بها إليه، فأمسكها بيده وقال: اللهم إن كنت قد ابتليت في عضو فقد عافيت في أعضاء. هكذا نظر المؤمن إلى ما بقي. وحين يتكلم القرآن الكريم عن مراتب ومراقي الإيمان يقول مرة:
فأولئك يدخلون الجنة..
[غافر: 40]. ويقول عن أناس آخرين:
أولئك عليهم صلوات من ربهم..
[البقرة: 157]. والجنة باقية بإبقاء الله لها، ولكن رحمة الله باقية ببقاء الله، وهكذا تكون درجة الرحمة أرقى من درجة الجنة.
وهكذا تجد في كل أمر ما يسمى بالباقيات. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم.. ﴾ [هود: 116]. أي: لولا أن كان في الناس بقية من الخير وبقية من الإيمان، وبقية من اليقين، وكانوا ينهون عن الفساد في الأرض، لولا هم لخسف الله الأرض بمن عليها. والبقايا في كل الأشياء هي نتيجة الاختيار، والاختبار مصداقا لقول الحق سبحانه:
فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض..
[الرعد: 17]. وفي العصر الحديث نقول: " البقاء للأصلح ". إذن: فالحق سبحانه إنما يحفظ الحياة بهؤلاء الذين ينهون عن الفساد في الأرض لأنهم يعملون على ضوء منهج الله، وهذا المنهج لا يزيد ملكا لله، ولا يزيد صفة من صفات الكمال لله، لأنه سبحانه خلق الكون بكل صفات الكمال فيه، ومنهجه سبحانه إنما يصلح حركة الحياة، وحركة الأحياء. وهكذا يعود منهج السماء بالخير على مخلوقات الله، لا على الله الذي كون الكون بكماله. واقرأ إن شئت قول الحق سبحانه:
والسمآء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في الميزان
[الرحمن: 7-8]. فكما رفع الحق سبحانه السماء بلا عمد، وجعل الأمور مستقرة متوازنة فلكم أن تعدلوا في الكون في الأمور الاختيارية بميزان دقيق لأن اعوجاج الميزان إنما يفسد حركة الحياة. ومن اعوجاج الميزان أن يأخذ العاطل خير الكادح، ويرى الناس العاطل، وهو يحيا في ترف من سرقة خير الكادح، فيفعلون مثله، فيصير الأمر إلى انتشار الفساد. وينزوي أصحاب المواهب، فلا يعمل الواحد منهم أكثر من قدر حاجته لأن ثمرة عمله إن زادت فهي غير مصونة بالعدالة. وهكذا تفسد حركة الحياة، وتختل الموازين، وتتخلف المجتمعات عن ركب الحياة. والحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿ فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض.. ﴾ [هود: 116]. وشاء الحق سبحانه أن يجعل أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم بشرط أن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر. قال الله تعالى:
كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر..
[آل عمران: 110]. وجعلها الحق سبحانه الأمة الخاتمة، لأنه لا رسالة بعد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كانت الرسالات قبلها تأتي بعد أن يتقلص الخير في المجتمعات، وفي النفوس. فقد وضع الحق سبحانه المنهج لأول الخلق في النفس الإنسانية، وكانت المناعة ذاتية في الإنسان، إن ارتكب ذنبا فهو يتوب ويرجع بعد أن يلوم نفسه، ولكن قد يستقر أمره على المعصية، وتختفي منه " النفس اللوامة " ، ويستسلم للنفس الأمارة بالسوء، فيجد من المجتمع من يقومه، فإذا ما فسد المجتمع، فالسماء تتدخل بإرسال الرسل، إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد أمنها الحق سبحانه أنه سيظل فيها إلى أن تقوم الساعة من يدعو إلى الخير، ومن يأمر بالمعروف، ومن ينهى عن المنكر ولذلك لن يوجد أنبياء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.