تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار فهم يوزعون * حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون * وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون

[فصلت: 19-21]. فالجوارح تنطق لتقيم الحجة على أولئك المذنبين. وسؤال المذنبين عن كيفية وقوع النطق لا لزوم له لذلك نجد السؤال هنا " لم " لأن الجوارح كانت هي أدوات المذنبين في ارتكاب الجرائم لأن اليد هي التي امتدت لتسرق، واللسان هو الذي نطق قول الزور، والقلب هو الذي حقد، والساق هي التي مشت إلى المعصية. والإنسان - كما نعلم - مركب من جوارح، وهذه الجوارح لها أجهزة تكون الكل الإنساني، ومدير كل الجسم هو العقل، فهو الذي يأمر اليد لتمتد وتسرق، أو تمتد لتربت على اليتيم والعين تأخذ أوامرها من العقل، فإما أن يأمرها بأن تنظر إلى جمال الكون، وتعتبر بما تراه من أحداث، أو يأمرها بأن تنظر إلى الحرام. إذن: الجوارح خادمة مطيعة مسخرة لذلك الإنسان وإرادته، لكن الأمر يختلف في الآخرة، حيث لا أمر لأحد إلا الله. والحق سبحانه القائل:

.. لمن الملك اليوم لله الواحد القهار

[غافر: 16]. فالجوارح تقول يوم القيامة لأصحابها: كنا نفعل ما تأمروننا به من المعاصي رغما عنا لأننا كنا مسخرين لكم في الدنيا، والآن انحلت إرادتكم عنا فقلنا ما أجبرتمونا على فعله. وهكذا تعترف الأشهاد، مصداقا لقول الحق سبحانه: ﴿.. ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ﴾ [هود: 18]. وما داموا قد كذبوا على ربهم، فالمكذوب عليه هو الله، ولا بد أن يطردهم من الرحمة، وهم قد ارتكبوا قمة الظلم وهو الشرك به والإلحاد وإنكار الرسول صلى الله عليه وسلم والرسالة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ الذين يصدون عن سبيل الله... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٨٨