﴿ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه.. ﴾ [هود: 17]. فالقرآن حجة ونور، وهو يهدي البصيرة الفطرية الموجودة في الإنسان ﴿ ويتلوه شاهد منه.. ﴾ [هود: 17] وهو من أنزل عليه الوحي، ويخبرنا عن الحق سبحانه وتعالى ما يوضح لنا أن الخالق الأعلى والقوة المطلقة هو الله سبحانه، ويوضح لنا الشاهد مطلوب الله تعالى. ونحن هنا أمام ثلاثة شهود: الشاهد الأول: هو الحجة والبينة. والشاهد الثاني: هو البرهان والبصيرة التي يهتدي إليها العقل، والرسول هو من يبين لنا المنهج بعد الإجمال. وهذا الرسول جاء من قبله كتاب موسى: ﴿ ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة.. ﴾ [هود: 17]. وهذا هو الشاهد الثالث. ومن لا يلتفت إلى المدلول بالأدلة الثلاثة مقصر فمن عنده تلك البينة، ومن سمع الشاهد من الرسول، والشاهد الذي قبله، وهو كتاب موسى عليه السلام وشاهد بعده إلى نفس قوم موسى لا بد أن يقوده ذلك إلى الإيمان. وقول الحق سبحانه: ﴿ أولئك يؤمنون به.. ﴾ [هود: 17]. إشارة إلى من التفتوا إلى الأدلة: بينة، وشاهدا، وشاهدا من قبله. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده.. ﴾ [هود: 17]. والكفر - كما علمنا - هو الستر، والكفر في ذاته دليل على الإيمان، فلا يكفر أحد بغير موجود. فوجود المكفور به سابق على الكفر، والكفر طارىء عليه. إذن: فالكفر طارىء على الإيمان لأن الإيمان هو أصل الفطرة. ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده.. ﴾ [هود: 17]. وكلمة " أحزاب " جمع حزب. والحزب هو الجماعة الملتقية على مبدأ تتحمس لتنفيذه، مثل الأحزاب التي نراها في الحياة السياسية، وهي أحزاب بشرية تتصارع في المناهج والغايات، وهم أحرار في ذلك لأنهم يتصارعون بفكر البشر. أما في العقيدة الأولى، فمن المخطط الأعلى، وهو الحق سبحانه وتعالى، فالمنهج يأتي منه لأن هذا المنهج يوصل إليه لذلك قال الله سبحانه عمن يتبعون منهجه:
أولئك حزب الله..
[المجادلة: 22]. أي: أنهم يدخلون في حزب يختلف عن أحزاب البشر التي تختلف أو تتفق في فكر البشر. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده.. ﴾ [هود: 17]. والمقصود بهم كفار قريش عبدة الأوثان، والصابئة واليهود والنصارى الذين لم يؤمنوا برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل منهم جماعة تمثل حزبا، ويقول عنهم الحق سبحانه:
.. كل حزب بما لديهم فرحون
[المؤمنون: 53]. ومن يكفر من هؤلاء برسالة رسول الله وبرسول الله فالجزاء هو النار، وبذلك بين لنا الحق سبحانه أن هنالك حزبين: حزب الله، والأحزاب الأخرى، وهما فريقان كل منهما مواجه للآخر. ويقول الحق سبحانه لرسوله، والمراد أيضا أمة محمد صلى الله عليه وسلم: { فلا تك في مرية منه.
. } [هود: 17]. أي: لا تكن يا رسول الله في شك من ذلك لأن رسالتك وبعثتك تقوم على أدلة البينة والفطرة والهدى والنور المطلوب من الله تعالى، والشاهد معك، كما شهد لك من جاء من قبلك أنك جئت بالمنهج الحق: ﴿ إنه الحق من ربك.. ﴾ [هود: 17]. والحق - كما علمنا من قبل - هو الشيء الثابت الذي لا يعتريه تغيير، وهذا الحق لا يمكن أن يأتي إلا من إله لا تتغير أفعاله. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿.. ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ [هود: 17]. وهؤلاء لا يؤمنون عنادا لأن الأدلة منصوبة بأقوى الحجج، ومن يمتنع عليها هو مجرد معاند. والحق سبحانه يقول في مثل هؤلاء المعاندين:
وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا..
[النمل: 14]. أي: أنهم مع كفرهم يعلمون صدق الأدلة على رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى صدق بعثته، فيكون كفرهم حنيئذ كفر عناد لأن الأدلة منصوبة بأقوى الحجج، فيكون من يمتنع على الإيمان بهذه الأدلة إنسانا معاندا. يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا... ﴾.