تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحين وسع الله عليه أكثر، اشترى سيارة فيها ماكينة شفط للقاذورات، وصار يجلس على الكرسي، ويدير " موتور " نزح المجاري لداخل خزان السيارة المخصص لذلك. إذن: فارتباطات المجتمع لا بد أن تنشأ عن حاجة، لا عن تفضل لأن التفضل ليس فيه إلزام بالعمل، لكن الحاجة هي التي فيها إلزام بالعمل لتسير حركة الحياة. ومن يعشق عمله على أي وضع كان، يوفقه الله تعالى فيه أكثر لأنه احترم قدر الله تعالى في نفسه، ولم يستنكف، ويعطيه الله سبحانه كل الخير من هذا العمل، بقدر حبه للعمل وإخلاصه فيه. وإن نظرت إلى العظماء في كل مهنة مهما صغرت، فستجد أن تاريخهم بدأ بقبولهم لقدر الله سبحانه وتعالى فيهم. ونحن نعلم أن قيمة كل امرىء فيما يحسنه ولذلك تجد الأمة مكونة من مواهب متكاملة لا متكررة، حتى يحتاج كل إنسان إلى عمل غيره. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى:

ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا..

[الزخرف: 32]. لأن أحدا لا يسخر الآخر لعمل إلا إذا كان المسخر في حاجة إلى هذا العمل. ولذلك تجد من يطرق بابك ويسأل: ألا تحتاج إلى سائق؟ ألا تحتاج إلى خادم؟ وصاحب الحاجة هو الذي يعرض نفسه لعله يجد العمل الذي يتقنه. ولذلك يجب ألا يتصور أهل أي إنسان أنه حين يخدم في أي حرفة من الحرف أنه يخدم المخدوم، لا.. إنه يخدم حاجة نفسه. وهكذا تترابط الأمة ارتباط حاجات، لا ارتباط تفضل. وقد قال الحق سبحانه وتعالى عن سيدنا إبراهيم عليه السلام:

إن إبراهيم كان أمة..

[النحل: 120]. لأن هناك مواهب متعددة قد اجتمعت فيه، وهي مواهب لا تجتمع إلا في أمة من الناس. وكلمة " أمة " تطلق على الزمن، وتطلق على الجماعة من كل جنس، وتطلق على الرجل الجامع لكل خصال الخير. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة.. ﴾ [هود: 8]. وعادة ما تأتي كلمة ﴿ معدودة ﴾ لتفيد القلة مثل قول الحق سبحانه:

وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين

[يوسف: 20]. وما دام الثمن بخسا فلا بد أن تكون الدراهم معدودة. والسبب في فهمنا لكلمة ﴿ معدودة ﴾ أنها تفيد القلة، هو أننا لا نقبل على عد شيء إلا مظنة أننا قادرون على عده لأنه قليل، لكن مالا نقبل على عده فهو الكثير. ومثال ذلك: أن أحدا لم يعد الرمل، أو النجوم. ولذلك جاء قول الحق سبحانه:

وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها..

[إبراهيم: 34]. و " إن " - كما نعلم - تأتي للشك، ونعم الله سبحانه ليست مظنة الحصر. ورغم أن البشرية قد تقدمت في علوم الإحصاء فهل تفرغ أحد ليحصي نعم الله؟ طبعا لا.

. وبطبيعة الحال يمكن إحصاء السكان والعاملين في أي مجال أو تخصص. وقديما كان القائمون على فتح صناديق النذور ليحسبوا ما فيها، فيضعوا الورق من فئة المائة جنيه معا، والورق من فئة العشرة جنيهات معا، وكذلك بقية الفئات من الأوراق المالية، إلى أن يصلوا إلى القروش، فيقوموا بوزن كيلو جرام منها، ويحسبوا كم قرشا في الكيلو جرام، ويزنوا بعد ذلك بقية القروش ليحسبوا المجموع على حساب عدد القروش التي حصروها في الكيلو جرام الأول. وقول الحق سبحانه هنا: ﴿ ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه.. ﴾ [هود: 8]. كأنهم يتساءلون سخرية واستهزاء: لماذا يتأخر العذاب الذي توعدهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الإنسان لا يتشوق إلى ما يؤلمه، ولا يقال مثل هذا الكلام إلا على سبيل التهكم. ويأتي الرد عليهم بأداة التنبيه، وهي " ألا " أي: تنبهوا إلى هذا الرد. ويقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم.. ﴾ [هود: 8]. وهذا تأكيد أن العذاب سيأتي، ولكن العباد دائما يعجلون. والله سبحانه لا يعجل بعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد، وكل أمر له وقت وله ميلاد، وسيأتيهم ما كانوا يستعجلون لأن الحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿.. وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ﴾ [هود: 8]. وقد جاء تأكيد وصول العذاب إليهم بأشياء: أولها: " ألا " وهي أداة تنبيه، وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿ يوم يأتيهم ﴾ ، وهذا خبر بأن العذاب آت لا محالة لأن الذي يخبر به هو الله سبحانه وتعالى. وأيضا فهذا العذاب: ﴿ ليس مصروفا عنهم.. ﴾ [هود: 8]. أي: أنه عذاب مستمر. وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿.. وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ﴾ [هود: 8]. يعني: أنه حل بهم ونزل عليهم، ووقع لهم العذاب الذي استهزأوا به من قبل. ونحن نعلم أن كلمة حاق فعل ماض، والكلام على أمر مستعجل، ويعبر عن الأمر المستعجل بالمضارع لأن الفعل المضارع يدل على الحال أو الاستقبال، فكيف يستعجلون أمرا، ويأتي التعبير عنه بالفعل الماضي؟ ولكن القائل هنا هو الله الحق سبحانه وتعالى، والكلام مأخوذ بقانون المتكلم، وكل فعل ينسب إلى قوة فاعله، والله سبحانه هو قوة القوى. وقال الحق سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٧٢