.. وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين
[النور: 2]. وذلك ليتم التعذيب أمام المجتمع الذي شقى بإفسادهم وشقى بمظالمهم، فمن يعتدى على عرضه، ويرى عذاب المعتدي فهو يشفى. وهنا يبين الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: لقد توعدتهم بالعذاب. ونحن نبطن العذاب بالإمهال لهم، ولكنهم جعلوا من ذلك مناط السخرية والاستهزاء والتهكم، وتساءلوا: أين هو العذاب؟ ونحن نجد القرآن يقول على ألسنتهم:
وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب
[ص: 16]. والقط: هو جزاء العمل، وهو مأخوذ من القط أي: القطع. والعذاب إنما يتناسب مع الجرم، فإن كانت الجريمة كبيرة فالعذاب كبير، وإن كانت الجريمة صغيرة فالعذاب يكون محدودا، فكان العذاب موافقا للجريمة. ومن العجيب أن منهم من قال:
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم
[الأنفال: 32]. وجاء على ألسنتهم ما أورده القرآن الكريم في قولهم:
أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا..
[الإسراء: 92]. ولا شك أن الإنسان لا يتمنى ولا يرجو أن يقع عليه العذاب، ولكنهم قالوا ذلك تحديا وسخرية واستهزاء. وشاء الحق سبحانه وتعالى ألا يعذب الكافرين المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما عذب الكافرين الذين عاصروا الرسالات السابقة لأن الحق سبحانه وتعالى هو القائل:
وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم..
[الأنفال: 33]. فضلا عن أن هناك أناسا منهم ستروا إيمانهم لأنهم لا يملكون القوة التي تمكنهم من مجابهة الكافرين، ولا يملكون القوة ليرحلوا إلى دار الإيمان بالهجرة، وحتمت عليهم ظروفهم أن يعيشوا مع الكافرين. وهناك في سورة الفتح ما يوضح ذلك، حين قال الحق سبحانه وتعالى:
هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما
[الفتح: 25]. أي: لو تميز الكافرون عن المؤمنين لسلط الحق سبحانه العذاب الأليم على الكافرين، لكن لو دخل المسلمون بجيشهم الذي كان في الحديبية على مكة، ودارت هناك معركة، فهذه المعركة ستصيب كل أهل مكة، وفيهم المؤمنون المنثورون بين الكافرين، وهم غير متحيزين في جهة بحيث يوجد المسلمون الضربة للجانب الكافر.
إذن: فلو ضرب المسلمون المقاتلون، لضربوا بعضا من المؤمنين، وهذا ما لا يريده الحق سبحانه وتعالى. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة.. ﴾ [هود: 8]. والأمة: هي الطائفة أو الجماعة من جنس واحد، مثل أمة الإنس، وأمة الجن، وأمة النمل.. وغير ذلك من خلق الله. والحق سبحانه هو القائل:
وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون
[الأنعام: 38]. والأمة: طائفة يجمعها نظام واحد وقانون واحد، وأفرادها متساوون في كل شيء، فتكون كل واحدة من هذه الأمم أمة، وهناك الأمة: الطائفة من الزمن. مثل قول الحق سبحانه:
وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة..
[يوسف: 45]. أي: أن هذا الذي تذكر بعد فترة من الزمن، وقد تكون الفترة المسماة " أمة " ، هي الزمن الذي يتحمل جيلا من الأجيال. الأمة - إذن - هي جماعة وطائفة لها جنس يجمعها، ولها تميزات أفرادية، وهي تلتقي في معنى عام. فأمة الإنسان هي حيوان ناطق مفكر، وهناك قدر عام يجمع كل إنسان، ولكن هناك تفاوتات في المواهب. ولا توجد نفس بشرية واحدة تملك موهبة الهندسة والطب والتجارة والصيدلة والمحاسبة لأن كل حرفة من تلك الحرف تحتاج إلى دراسة. ولا يملك إنسان من العمر ما يتيح له التخصص في كل تلك المجالات ولذلك يتخصص كل فرد في مجال ليخدم غيره فيه، وغيره يتخصص في مجال آخر ويخدم الباقين، وهكذا. وفي هذا تكافل اجتماعي، يشعر فيه كل فرد بأنه يحتاج للآخرين، وأنه لا يستطيع أن يحيا مستقلا بذاته عن كل الخلق. ولو عرف واحد كل الحرف التي في الدنيا، من طب وهندسة وقضاء، وسباكة، ونجارة، وزراعة، وغيرها فلن يسأل عن الباقين؟ لذلك شاء الله سبحانه وتعالى أن تلتحم المجتمعات ضرورة وقسرا، لا تفضلا من أحد على أحد. والذي يكنس الشارع أو يعمل في تنظيف الصرف الصحي لا يفعل ذلك تفضلا، بل يفعل ذلك احتياجا لأنه يحتاج إلى العمل والرزق لأن جسمه يحتاج إلى الطعام، وإلى الستر بالملابس، وأولاده يطلبون الطعام والمأوى والملبس، ولولا ذلك لما عمل في تلك المهنة. وإذا أخلص في عمله فالله سبحانه يحببه فيها، وإن ارتقت أحواله، يظل في هذا العمل لأنه عشق إتقان مهنته. ولقد رأيت رجلا كان يعمل في هذه المهنة، ويحمل الأقذار على كتفه، وحين وسع الله عليه، اشترى عربة يجرها حمار ليحمل فيها ما ينزحه من تلك المجاري.