تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أتى أمر الله فلا تستعجلوه..

[النحل: 1]. وكلمة " أتى " في عرفنا اللغوي فعل ماض، أي: أن الكلام جاء من المتكلم بعد وقوع النسبة خارجا، مثلما نقول: " نجح محمد " فهذا يعني أن النجاح قد حدث بالفعل. وحين يقول الله سبحانه: ﴿ أتى أمر الله ﴾ نفهم أن ﴿ أتى أمر الله ﴾ نسبة كلامية سبقتها نسبة واقعية. وقوله سبحانه بعد ذلك: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ يدل على أن الأمر لم يقع، ولكن المتكلم هنا هو الله سبحانه وتعالى.

والمعنى أن الأمر واقع لا محالة ذلك لأن كل فعل إنما ينسب لقوة الفاعل. ومثال ذلك من حياتنا - ولله المثل الأعلى - أنك قد ترغب في أن تنقل حقيبة ضخمة وثقيلة، فيقول ابنك الشاب: دعني أحملها لك، وهو يقول ذلك لأنه قادر على أن يحملها في زمن يناسب قوته. وإن جاءك ابنك الصغير وقال: سأحملها أنا. فهو لن يحمل الحقيبة إلا في مقدار زمن يناسب قوته، وهي قوة ضعيفة. إذن: ففي المجال البشري أنت تحكم على الماضي، وقد يكون الحكم صادقا أو كاذبا، ولكنك بالنسبة لأمر مستقبل، لا تستطيع أن تحكم عليه لأنك لا تملك من المستقبل شيئا. أما إذا كان قائل الكلام قادرا على إنفاذ ما يقوله الآن في المستقبل، ولا عائق يعوقه، فاعلم أن الأمر قادم لا محالة. وهنا نجد الإخبار من الله سبحانه وتعالى، ولا شيء في الكون يتأبى على الله سبحانه. وما دام الحق سبحانه قد قال إنه أمر قد أتى، فهو آت لا محالة. ولذلك قال سبحانه: ﴿ وحاق بهم.. ﴾ [هود: 8]. مع أن السياق في العرف البشري أن يقال: وسيحيق بهم ما كانوا به يستهزئون لأنهم كانوا يستعجلون العذاب. وجاء قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وحاق ﴾ لأن الأمر بالنسبة له سبحانه لن يحول بينه وبين وقوعه أي عائق. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ ولئن أذقنا الإنسان... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٧٣