تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا

[الإسراء: 106]. وقد جاء في القرآن على لسان الكافرين:

لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة..

[الفرقان: 32]. فيكون الرد من الحق سبحانه:

.. كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا

[الفرقان: 32]. ولو كان القرآن قد نزل مرة واحدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما التفت الناس إلى كل ما جاء فيه، ولكن شاء الحق سبحانه وتعالى أن ينزل القرآن منجما على الرسول صلى الله عليه وسلم، ليكون في كل نجم تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المواقف المختلفة، والرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك أمته من بعده في حاجة إلى تثبيتات متعددة حسب الأحداث التي تعترضهم، ولذلك قال الحق سبحانه:

.. كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا

[الفرقان: 32]. فساعة أن يسمع المؤمنون نجما من نجوم القرآن، يكونون أقدر على استيعابه وحفظه وتطبيق الأحكام التي جاءت فيه. ولم ينزل الحق سبحانه آية واحدة، بل أنزل آيات، بدليل أنهم إن جاءوا بحكم ما، فهو سبحانه وتعالى ينزل الحق في هذا الحكم وأكثر تفصيلا ولذلك يقول سبحانه:

ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا

[الفرقان: 33].

ولو نزل القرآن جملة واحدة، فكيف يعالج أسئلتهم التي جاءت في القرآن: ﴿ يسألونك عن ﴾. ويضرب الله مثلا بالبعوضة، فيتساءلون ساخرين: كيف يضرب الله مثلا بالبعوضة. فينزل قول الحق سبحانه:

إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها..

[البقرة: 26]. ولو كانوا عقلاء لتساءلوا: كيف ركب الحق سبحانه في هذا الكائن الضئيل - البعوضة - كل أجزاء الكائن الحي من محل الغذاء إلى قدرة الهضم، إلى محل التنفس، إلى محل الدم، إلى محل الأعصاب. وكان يجب أن يأخذوا من هذا الخلق دلائل العظمة لأن عظمة الصنعة تكون في أمرين: إما ضخامة الشيء المصنوع، وإما أن يكون الشيء المصنوع تحت إدراك الحس. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - أن الفنيين حين صنعوا ساعة " بج بن " التفت الناس إلى ضخامة تلك الساعة، ودقة أدائها، وحين صنع الفنيون في " سويسرا " ساعة دقيقة وصغيرة جدا في حجمها، زاد إعجاب الناس بدقة الصنعة. وهكذا نجد أن القدرة تتجلى في صناعة الشيء الكبير في الحجم، أو صناعة الشيء الدقيق جدا فما بالنا بخالق الكون كله، بأكبر ما فيه وأصغر ما فيه. والحق سبحانه وتعالى يضرب المثل بالذبابة فيقول:

إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له..

[الحج: 73]. فول اجتمع الخلق المشركون أو المتجبرون وسألوا أصنامهم أن يخلقوا لهم ذبابة، أو حتى لو حاولوا هم خلق ذبابة لما استطاعوا، ولا يقتصر الأمر على ذلك العجز فقط، بل يتعداه إلى عجز آخر:

وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب

[الحج: 73]. فإن جاءت ذبابة على أي طعام، وأخذت بعضا من الطعام، فهل يستطيع أحد أن يستخلص من الذبابة ما أخذته؟ لا، وكذلك نرى ضعف الاثنين: الطالب والمطلوب. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ﴾ [هود: 1]. فالإحكام لا يتناقض مع التفصيل لأن الحق سبحانه هو الذي أحكم، وهو سبحانه الذي فصل، وهو سبحانه حكيم بما يناسب الإحكام، وهو سبحانه خبير بما يناسب التفصيل، بطلاقة غير متناهية. وهو سبحانه حكيم يخلق الشيء محكما لا يتطرق إليه فساد، وهو سبحانه خبير عنده علم بخفايا الأمور. ويقول الحق سبحانه وتعالى في آية أخرى:

لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير

[الأنعام: 103]. فالله سبحانه لا تدركه عين، وعينه - سبحانه وتعالى - لا تغفل عن أدق شيء وأخفى نية. إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ﴾ [هود: 1]. يبين لنا أن القرآن كلام الله القدير الذي بني على الإحكام، ونزل محكما جملة واحدة، ثم جاءت الأحداث المناسبة لينزل من السماء الدنيا نجوما مفصلة تناسب كل حدث. وإحكام الكتاب ثم تفصيله له غاية، هي الغاية من المنهج كله، ويبينها الحق سبحانه في الآية التالية: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٦١