تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأهل الذكر أيضا في العلوم الأخرى يقضون السنوات لتنمية دراساتهم، كما في الطب أو الهندسة أو غيرهما، وكذلك الأعمال المهنية تأخذ من الذي يتخصص فيها وقتا وتتطلب جهدا، فما بالنا بالذي يصلح أسس إقامة الناس في الحياة، وهو التفقه في الدين. لذلك يقول الحق سبحانه:

فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون

[التوبة: 122]. فنحن لا نطلب من كل مسلم - مثلا - أن يدرس المواريث ليعرف العصبة وأصحاب الفروض، وأولي الأرحام، والمصنع قام بتفصيل الثياب بعد أن نسجها مصنع آخر، والمصنع الآخر نسج الثياب من غزل القطن أو الصوف. والقطن جاء من الزراعة، والصوف جاء من جز شعر الأغنام. وهكذا تجد أن مجرد الوقوف أمام خالقك لتصلي يقتضي أن تكون مستور العورة في صلاتك، هذا الستر يتطلب منك أن تتفاعل مع الحياة بالعمل. وانظر لنفسك واسألها: ما أفطرت اليوم؟ وأقل إجابة هي: أفطرت برغيف وقليل من الملح، وستجد أنك اشتريت الرغيف من البقال، وجاء البقال بالرغيف من المخبز، والمخبز جاء بالدقيق من المطحن، والمطحن أنتج الدقيق بعد طحن الغلال التي جاءت من الحقل. وكذلك تمت صناعة ألات الطحن في مصانع أخرى قد تكون أجنبية. وهكذا تمت صناعة الرغيف بسلسلة هائلة من العمليات، فهناك الفلاح الذي حرث، وهناك مصمم آلة الطحن الذي درس الهندسة، وهناك عالم " الجيولوجيا " الذي درس طبقات الأرض ليستخرج الحديد الخام من باطنها، وهناك مصنع الحديد الذي صهر الحديد الخام ليستخلص منه الحديد النقي الصالح للتصنيع. وهكذا تجد أن كل حركة في الحياة قد خدمت قضية دينك، وخدمت وقوفك أمام خالقك لتصلي، فلا تقل: " سأنقطع للعبادة " بمعنى أن تقصر حياتك على الصلاة فقط، لأن كل حركة تصلح في الحياة هي عبادة، وإن أردت ألا تعمل في الحياة، فلا تنتفع بحركة عامل في الحياة. وإذا لم تنتفع بحركة أي عامل في الحياة، فلن تقدر أن تصلي، ولن تقدر أن يكون لك قوة لتصلي. إذن فالعبادة هي كل حركة تتطلبها الحياة في ضوء " افعل " و " لا تفعل ". وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير ﴾ [هود: 2]. والنذير: هو من يخبر بشر زمنه لم يجيء، لتكون هناك فرصة لتلافي العمل الذي يوقع في الشر، والبشير هو من يبشر بخير سيأتي إن سلك الإنسان الطريق إلى ذلك الخير. إذن: الإنذار والبشارة هي أخبار تتعلق بأمر لم يجيء. وفي الإنذار تخويف ونوع من التعليم، وأنت حين تريد أن تجعل ابنك مجدا في دراسته تقول له: إن لم تذاكر فسوف تكون كابن فلان الذي أصبح صعلوكا تافها في الحياة.

إذن: فأنت تنذر ابنك ليتلافى من الآن العمل الذي يؤدي به إلى الفشل الدراسي. وكذلك يبشر الإنسان ابنه أو أي إنسان آخر بالخير الذي ينتظره حين يسلك الطريق القويم. إذن: فالعبادة هي كل حركة من حركات الحياة ما دام الإنسان متبعا ما جاء بالمنهج الحق في ضوء " افعل " و " لا تفعل " ، وما لم يرد فيه " افعل " و " لا تفعل " فهو مباح. وعلى الإنسان المسلم أن يبصر نفسه، ومن حوله بأن تنفيذ أي فعل في ضوء " افعل " هو العمل المباح، وأن يمتنع عن أي فعل في ضوء " لا تفعل " ما دام الحق سبحانه وتعالى قد نهى عن مثل هذا الفعل، وعلى المسلم تحري الدقة في مدلول كل سلوك. ونحن نعلم أن التكليفات الإيمانية قد تكون شاقة على النفس، ومن اللازم أن نبين للإنسان أن المشقة على النفس ستأتي له بخير كبير. ومثال ذلك: حين نجد الفلاح وهو يحمل السماد العضوي من حظيرة البهائم ليضعه على ظهر الحمار ويذهب به إلى الحقل ليخلطه بالتربة، وهو يعمل هذا العمل بما فيه من مشقة انتظارا ليوم الحصاد. ويبين الحق - سبحانه وتعالى - هنا على لسان رسوله أن الأمر بعدم عبادة أي كائن غير الله، هو أمر من الله سبحانه، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو نذير وبشير من الله. وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله.. ﴾ [هود: 2]. فيه نفي لعبادة غير الله، وإثبات لعبودية الله تعالى. وهذا يتوافق ويتسق مع الإنذار والبشارة لأن عبادة غير الله تقتضي نذيرا، وعبادة الله في الإسلام تقتضي بشيرا. ولأن الحق سبحانه وتعالى هو خالق الإنسان ويعلم ضعف الإنسان، ومعنى هذا الضعف أنه قد يستولي عليه النفع العاجل، فيذهبه عن خير آجل أطول منه، فيقع في بعض من غفلات النفس. لذلك بين الحق سبحانه أن من وقع في بعض غفلات النفس عليه أن يستغفر الله لأن الله سبحانه وتعالى لا يبخل برحمته على أحد من خلقه. وإن طلب العبد المذنب مغفرة الله، فسبحانه قد شرع التوبة، وهي الرجوع عن المعصية إلى طاعة الله تعالى. ولا يقع عبد في معصية إلا لأنه تأبى على منهج ربه، فإذا ما تاب واستغفر، فهو يعود إلى منهج الله سبحانه، ويعمل على ألا يقع في ذنب جديد. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٦٣