تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الم

[البقرة: 1]. فينفتح لك باب القراءة. وهكذا نعرف أن هناك مفتاحا، وأن هناك فاتحا. وخذ فواتح السور على أنها مفاتيح، وكل مفتاح له شكل ونحت معين، إن نقلته لسورة أخرى فهو لا يفتحها. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ الر ﴾ وهي مكونة من ثلاثة حروف، مثل ﴿ الم ﴾ ، وقد وردت في خمس سور من القرآن الكريم هي: يونس، وهود، ويوسف، وإبراهيم، والحجر. ولكن ﴿ الم ﴾ تقرأ كآية، ولكنها هنا في مقدمة سورة " هود " جزء من آية رغم أنك تقرأها مثلها مثل سورة يونس، وسورة هود، وسورة يوسف وسورة إبراهيم، وتقرأها كآية.

وايضا ﴿ المص ﴾ هي أربعة حروف تقرأها آية في سورة الأعراف، وهناك أربعة حروف في أول سورة الرعد، وتقرأها كجزء من آية في سورة الأعراف. إذن: فليس هناك قانون لهذه الحروف التي في أوائل السور، بل كل حرف له خصوصية لم تتكشف كل أسرارها بعد، لهذا ذهب بعض المفسرين إلى قولهم " الله أعلم بمراده ". وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ الر كتاب أحكمت آياته ﴾ [هود: 1]. والله سبحانه يقول مرة عن القرآن أنه: ﴿ كتاب ﴾ ومرة يقول:

قرآن

[يونس: 61]. والقرآن يقرأ، والكتاب يكتب، وشاء الحق سبحانه ذلك ليدلك على أن الحافظ للقرآن مكانان: صدور، وسطور. فإن ضل الصدر، تذكر السطر. ولذلك

" حين أراد المسلمون الأوائل جمع القرآن، ومطابقة ما في الصدور على ما في السطور، وضعوا أسسا لتلك العملية الدقيقة، من أهمها ضرورة وجود شاهدين على كل آية، ووقفوا عند آخر آيتين في سورة التوبة، ولم يجدوا إلا شاهدا واحدا هو " خزيمة " ، وصدقوا " خزيمة " وكتبوا الآيتين عنه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد منحه وساما، حين قال عنه: " من شهد له خزيمة فهو حسبه ".

إذن: فإطلاق صفة الكتاب على القرآن، سببها أنه مكتوب، وهو قرآن لأنه مقروء. ولم تكن الكتابة في الأزمنة القديمة مسألة سهلة، فلم يكن يكتب إلا النفيس من الأعمال، أو لأن القرآن كتاب لأنه في الأصل مكتوب في اللوح المحفوظ. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى واصفا القرآن: ﴿ كتاب أحكمت آياته.. ﴾ [هود: 1]. ومادة الحاء والكاف والميم تدل على أمر محس وهو إتقان البناء، بحيث يمنع عنه الفساد فلا خلل فيه، ولا تناقض، ولا تعارض ولا انهيار. ولا بد من توازن هندسي لكل فتحة في البناء حتى لا تكون الفتحات التي في البناء متوازية على خط واحد، فتحدث شروخ في الجدران أو انهيار البناء كله. هذا هو إحكام البناء في عالم المحسات. وشاء الحق سبحانه أن يصف القرآن، وهو الجامع لكل المنهج بأنه: ﴿ كتاب أحكمت آياته.. ﴾ [هود: 1]. فخذوا من هذا الإحكام ما يمنع فسادكم لأن القرآن جاء على هيئة تمنع الفساد فيه، وعقد منع الفساد يكون الإصلاح والصلاح. ولو نظرت إلى أن القرآن الكريم في اللوح المحفوظ ستجده قد نزل جملة واحدة، من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وجاء الوحي بعد ذلك حسب الأحداث التي تتطلب الأحكام، وقد نثر الحق سبحانه في القرآن أحكاما وفصولا ونجوما. إذن: فالقرآن قد أحكم أولا، ثم فصل. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت.. ﴾ [هود: 1]. والفواصل الكبيرة في القرآن هي السور، والفواصل الصغيرة هي الآيات، وأراد المسلمون أن يشجعوا حفظ القرآن، فقسموه إلى ثلاثين جزءا، وكل جزء قسموه إلى حزبين، وكل حزب قسموه إلى أربعة أرباع، لكن التفصيل الذي جاء لنا من القرآن أنه سور، وكل سورة هي مجموعة من الآيات.

وقد يكون المعنى أن القرآن قد أحكم وفصل لأنه نزل منهجا جامعا من الله سبحانه وتعالى. وحين تنظر إليه تجده منوعا، فمرة يتكلم في العقيدة وقمتها، ومرة يتكلم في النبوة وموكبها الرسالي، والمعجزات، ومرة يتكلم في الأحكام، ومرة يتكلم في القصص، والأخلاقيات، والكونيات. ومرة يتكلم في علم الفرائض. إذن: فهو مفصل في اللفظ أو في المعنى، وهو يتناول معاني كثيرة، وكل معنى تتطلبه العقيدة، قمة في الشهادة بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويتناول الجزئيات حتى أدق التفاصيل. أو أحكم نزولا لأنه قد نزل مرة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم فصل حسب الحوادث، وهذا أدعى إلى أن تتعلق النفس بكل نجم من نجوم القرآن حين ينزل وقت طلبه. وأنت حين تعد لنفسك صيدلية صغيرة في البيت، قد تأتي فيها بكل الأدوية، لكن إن أصابك صداع، فقد تفتش عن أقراص " الأسبرين " فلا تجدها. أما إذا أرسلت إلى الصيدلية الكبيرة، فسوف تجد " الأسبرين " حين تحتاجه. وكذلك حين تكون ظمآن، قد تفتح ثلاجة بيتك فلا تجد زجاجة الماء رغم أنها أمامك، وذلك بسبب لهفة العطش. إذن: فنزول القرآن منجما شاءه الحق - سبحانه - لتنتعش النفس الإنسانية وهي تعشق استقبال القرآن. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٦٠