تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.128

وساعة تسمع " يوم " اعرف أنها " ظرف زمان " ، أي أن هناك حدثا، وقوله الحق: " ويوم يحشرهم جميعا " أي اليوم الذي يقف فيه الجميع ويحشدون، وحين ننظر إلى ما بعدها نجد أن الحدث لم يأت، ولكن جاء " يا معشر الجن " وهذا " نداء ". فكأن الحدث هو النداء نفسه، والنداء يقتضي مناديا، وهو الحق سبحانه، ومنادى وهو معشر الجن والإنس، وقولا يبرز صورة النداء. فكأن العبارة هي: يوم يحشرهم جميعا فيقول يا معشر الجن والإنس، و " الحشر " هو الجمع، و " المعشر " هم الجماعة المختلطة اختلاط تعايش، بمعنى أن يكون فيهم كل عناصر ومقومات الحياة، وقد يضاف المعشر إلى أهل حرفة بخصوصها يا معشر التجار، يا معشر العلماء، يا معشر الوزراء. لكن إن قلت: يا معشر المصريين فهي جماعة مختلطة اختلاط تعايش ومعاشرة. ﴿ يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس.. ﴾ [الأنعام: 128]. و " استكثر " أي أخذ منه كثيرا، كمن استكثر من جمع المال، أو استكثر من الأصدقاء فمادة " استكثر " تدل على أنه أخذ كثرة. وماذا يعني استكثارهم من الإنس؟. نحن نعلم أن من الجن طائعين، ومنهم عاصون، والأصل في العصيان في الجن " إبليس " الذي أقسم:

قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين

[ص: 82]. فكأن الحق يوضح: أنكم معشر الجن قد حاولتم جاهدين أن تأخذوا الإنس إلى جانبكم واستكثرتم بهم، فبعد أن كان العاصون فقط من شياطين الجن وجد عصاة من الإنس أيضا، واستكثرتم منهم، بأن ظننتم ان لكم غلبة وكثرة وعزا، لأنهم إذا أطاعوكم في الوسوسة أصبحت لكم السيادة، وذلك ما كان يحدث، فكان الإنسان إذا ما نزل واديا مثلا قال: أعوذ بسيد هذا الوادي - من الجن - ويطلب أن يحفظه ويحفظ متاعه، وحينما يوسوس له بشيء يسارع إلى تنفيذه، وهذا استكثار. ﴿ وقال أوليآؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض.. ﴾ [الأنعام: 128]. وكذلك لم يستمتع الجن والإنس فقط، بل استمتع أيضا بالجن، وهكذا نجد تبادل استمتاع من خلف منهج الله لهؤلاء إغواء وسيادة، يأمرونهم بعمل الأشياء المخالفة لمنهج الله، وهؤلاء يستمتعون بهم يحققون لهم شهواتهم في صورة تدين، فيقولون لهم: اعبدوا الأصنام، واعبدوا الشمس، واعبدوا القمر، فيفعلون. وذلك يرضي فيهم غريزة الانقياد التديني لأن كل نفس مفطورة على أن ترتبط بقوة أعلى منها لأن الإنسان إذا نظر لنفسه وإلى قرنائه من الإنس وجدهم أبناء أغيار الواحد منهم يكون اليوم صحيحا وغدا مريضا، ويكون اليوم غنيا وغدا فقيرا، فما الذي يضمن للنفس البشرية حماية من هذه الأغيار؟. إن الإنسان يحب أن يلجأ ويرتبط بقوي حتى إذا جاءت هذه الأغيار كانت سندا له.

إلا أن هناك من يصعدها في التدين وهؤلاء هم الذين يركنون إلى الإيمانية لله ويعتمدون عليه سبحانه ويقبلون على الإيمان بالله بمطلوبات هذا الإيمان في " افعل " و " لا تفعل ". لكن الأشياء التي يعبدونها من دون الله ليس لها مطلوبات أو تكاليف إلا أن تكون موافقة لأهواء النفس، وهذا الإكذاب للنفس أي حمل النفس على الكذب لا يدوم طويلا لأن الإنسان لا يغش نفسه فالإيمان يحمي النفس إذا جاء أمر فوق أسبابك، وليس هناك من يقول: يا شمس أو يا قمر، يا شيطان أو يا صخر! لا يمكن لأنك لن تكذب على نفسك أبدا. ومثال ذلك قول الحق:

وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه..

[يونس: 12]. وهنا يقول الحق عن الإنس: ﴿ وقال أوليآؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنآ أجلنا الذي أجلت لنا.. ﴾ [الأنعام: 128]. أي أن لهذا الاستمتاع أمدا، هو أمد الأجل أي ساعة تنقضي وتنتهي الحياة، ثم يبدأ الحساب فيسمعون قول الحق: ﴿ قال النار مثواكم خالدين فيهآ إلا ما شآء الله إن ربك حكيم عليم ﴾ [الأنعام: 128]. و " الثواء " هو الإقامة، و " مثواكم " أي إقامتكم، " إلا ما شاء الله " وهذا الاستثناء كان محل نقاش بين العلماء، دار فيه كلام طويل فهناك من قال: إن الحق سبحانه وتعالى قال: " إلا ما شاء الله " أي أن له طلاقة القدرة والمشيئة فيفعل ما يريد لكنه حسم الأمر وحدد هو " ما شاء " فقال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧٠٦