قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى
[الشورى: 23]. والمودة هي فعل الخير الناشئ عن محبة قلب، أما فعل الخير الذي لا ينبع من محبة في القلب فهو فعل معروف لأن المعروف يضعه الإنسان مع من يحب ومن لا يحب. ولذلك قال ربنا:
وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا
[لقمان: 15]. المعروف - إذن - هو عمل امتداده خير سطحي. والرسول حين يطلب المودة في القربى فهل هي قرباه صلى الله عليه وسلم أو المودة في قرباكم؟ هي القربى على إطلاقها، وهي القربى أيضا للمتكلم وهو الرسول الذي يبلغ عن الله. وإن صنفت على أنها " إلا المودة في القربى " أي القربى للمتكلم وهو سيدنا رسول الله لما استطعنا أن نوفيه أجرا. أما حين يتحمل كل واحد منا مجالا من الخير والمعروف في قومه، هنا تتلاحم دوائر الخير في الناس جميعا. ويذيل الحق الآية بقوله: ﴿ إن هو إلا ذكرى للعالمين ﴾ وهي ما تعطينا اجتماع الدوائر ويصير كل واحد مهتما بأقاربه ويتنازع الناس ويتنافسون في مودة القربى، وكل منهم يحرص على أن يوسع دائرة القربى. هنا يعم الخير ويدوم الود ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وما قدروا الله... ﴾.
6.91
الكلام عن الذين رفضوا وتأبوا عن الإيمان بالله. فيأتي الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يوضح لهم بأنهم لم يعطوا الله حق قدره، ومعنى القدر معرفة المقدار، وحق قدره سبحانه لا نقدر عليه نحن البشر، لذلك نقدره على قدر طاقتنا أو على قدر ما طلب منا، وكما قال رسول الله:
" سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك "
والإنسان منا حين يثني على واحد فهذا دليل أنه قد قيم قدره بقيمة الثناء، وحين نقيم قدر الله فعلينا أن نعرف أن صفات الكمال كلها فيه وهي لا تتناهى ولا يمكن أن تحصى. ومن رحمة الحق سبحانه وتعالى أنه تحمل عنا صيغة الثناء عليه: كي لا يوقعنا في حرج، فليس لبشر من قدرة أن يحيط بجمال الله أو بجلاله حتى يثني عليه بما يستحقه، وإن أحاط عبد بذلك - ولن يحيط - فمن أين له العبارة التي تؤدي هذا الثناء؟ ولا يوجد بليغ أو أديب يستطيع أن ينمق العبارات التي تكفي لتقدير هذا الثناء على الله، فأوضح لنا الحق من خلال رسوله: أنا حملت عنكم هذه المسألة حتى تكونوا كلكم سواسية، قال رسول الله:
" سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك "
وفي كلمة " الحمد لله " وحدها يتساوى الناس جميعا. ومن رحمته سبحانه أن سوى بين الناس في معرفة صيغة الثناء عليه. ويأتي الحق هنا بالزاوية التي نفى فيها أنهم ما قدروا الله حق قدره. لماذا يارب لم يقدروك حق قدرك؟ وتأتي الإجابة: ﴿ إذ قالوا مآ أنزل الله على بشر من شيء ﴾ [الأنعام: 91]. أي أنهم أنكروا أن يكون الله قد اختار من بعض خلقه من يجعلهم أهلا لتلقي منهجه لإبلاغه إلى خلقه. ويأتي الرد من الحق لرسوله ردا عليهم: ﴿ قل من أنزل الكتاب الذي جآء به موسى نورا وهدى للناس ﴾ [الأنعام: 91]. إذن لا بد أن يكون القائلون هذا يؤمنون بأن موسى نزل عليه كتاب لتكون الحجة في موضعها. وكفار مكة كانوا غير مؤمنين بأي رسول، لكنهم يعلمون أن هناك من هم أهل كتاب، بدليل أنهم قالوا:
لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم
[الأنعام: 157]. ونقول: لو دققت النظر في السورة فقد ينطبق الأمر على واحد مخصوص من الذين غلبتهم الحجة. وفي تاريخ السيرة نجد واحدا من الأحبار كان دائب الخوض في الإسلام، وكان اسمه " مالك بن الصيف " فلقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحبر هو عالم اليهود والمفترض فيه أن يكون من الزهاد فيهم منقطعا للعلم إلا أنه كان سمينا على الرغم من أن من عادة المنقطعين للعبادة وإلى العلم أنهم لا يأخذون من الزاد إلا ما يقيت، ويقيم الأود لأنه قد جاء في التوراة: " إن الله يبغض الحبر السمين ".