تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.151

ننظر في هذه الآية فلا نجد شيئا من المحرمات من الأطعمة التي بها قوام الحياة، ولكن نجد فيها المحرمات التي إن اتبعناها نهدر القيم المعنوية التي هي مقومات الحياة الروحية، إنها مقومات الحياة من القيم ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾. والأداء القرآني هنا يأخذ لفظ " تعال " بفهم أعمق من مجرد الإقبال، فكأن الحق يقول: أقبل علي إقبال من يريد التعالي في تلقي الأوامر. فأنت تقبل على أوامر الله لتعلوا وترتفع عن حضيض تشريع البشرية فلا تأخذ قوانينك من حضيض تشريع البشر لأن الشرط الواجب في المشرع ألا يكون مساويا لمن شرع له، وألا يكون منتفعا ببعض ما شرع، وأن يكون مستوعبا فلا تغيب عنه قضية ولا يغفل عن شيء والمشرع من الخلق لا يشرع إلا بعد اكتمال عقله ونضجه. ولا يقدر أن يمنع نفسه من الانتفاع بالتشريع. الرأسمالي - مثلا - يشرع ليستفيد، والماركسي يشرع ليستفيد. وكل واحد يشرع وفي نفسه هوى، ومن بعد ذلك تعدل التشريعات عندما نستبين أنها أصبحت لا تفي ولا تغطي أمور الحياة، فكأن المشرع الأول لقصور علمه غابت عنه حقائق فضحها المجتمع حين برزت القضايا، فنظر في قانونه فلم يجد شيئا يغطي هذه القضايا، فيقول: نعدل القانون، ونستدرك. ومعنى استدراك القانون اي أن هناك ما جهله ساعة قنن. إذن يشترط في المقنن ألا يكون مساويا للمقنن له، وألا تغيب عنه قضية من القضايا حتى لا يستدرك عليه، وألا يكون منتفعا بالتشريع، ولا يوجد ذلك في بشر أبدا، فأوضح الحق: اتركوا حضيض التشريع البشري وارتفعوا إلى السماء لتأخذوا تقنينكم منها فحين ينادي الله " تعالوا " فمعناها ارتفعوا عن حضيض تقنين بشريتكم إلى الأعلى لتأخذوا منه تقنيانكم التي تحكم حركة حياتكم، فهو لا ينتفع بما شرع، بل أنتم الذين تنتفعون، ولأنه لا يغيب عنه شيء سبحانه، وهو خالق، هو أولى أن يشرع لكم. ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ [الأنعام: 151]. " أتل " من التلاوة وهي القراءة ﴿ ما حرم ربكم عليكم ﴾ أي ما جعله حراما.. أي يمتنع عليهم فعله، وسأقول لكم كل البلاغات بلاغا بعد بلاغ. ﴿ ألا تشركوا به شيئا ﴾ [الأنعام: 151]. لقد جاء سبحانه بتحريم الشرك من خلال تركيب لغوي يؤكد علينا ألا نشرك به فأنت ساعة تأتي لتلقي أوامر لمن ترأسه تقول له: استمع إلى ما أمنعك منه فاتبعه. ثم تبدأ في التفصيل، والحق هنا جاء بأول بند من المحرمات والمحظورات هو ألا نشرك به شيئا. أي أتلو عليكم تحريم الشرك، فأول المحرمات الشرك، وعلينا أن نوحد الله، فكل نهى عن شيء أمر بمقابله وكل أمر بشيء نهى عن مقابله.

وعلى ذلك فكل أمر يستلزم نهيا، وكل نهي يستلزم أمرا. فلا تلتبس عليكم الأوامر والنواهي. أو تكون " عليكم " منطقعة عما قبلها، أي عليكم ترك الشرك، وعليكم إحسانا بالوالدين، وألا تقتلوا أولادكم، وألا تقربوا الفواحش.. أي ألزموا ذلك. ثم يقول سبحانه: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ وسبحانه يأمر هنا بتأكيد الإحسان إلى الوالدين فهو أمر بإيجاب ويستلزم نهيا عن مقابله وهو عقوق الوالدين، أي لا تعقوهم. فعدم الإحسان إلى الوالدين يدخل فيما حرم الله. ثم يقول سبحانه: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ﴾ [الأنعام: 151]. أي استبقوا حياة أولادكم، فإن أردتها من قبيل النهي فقل هو نهي عن قتل الأولاد، وإن أردتها من قبيل الإيجاب فقل: استبقوا الحياة. وقول: ﴿ من إملاق ﴾ أي من فقر، فكأنهم كانوا فقراء، ومادام الإملاق موجودا فشغل الإنسان برزق نفسه يسبق الانشغال برزق من يأتي بعده فيا أهل الإملاق تذكروا أن الله يرزقكم ويرزق من سيأتي زيادة عليكم وهم الأولاد. ويقول سبحانه: ﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.. ﴾ [الأنعام: 151]. وهذا نهي عن القرب، أي نهي عن الملابسات التي قد تؤدي إلى الفعل لا نهي عن الفعل فقط فحينما أراد الله يحرم على آدم وعلى زوجه الشجرة قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧٢٦