تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.73

والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، وما دام الحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير فلننظر إلى خلق السماء والأرض، يقول سبحانه:

إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا

[فاطر: 41]. وحين ننظر إلى الأفق نجد السماء من غير عمد، وهذه مسألة عجيبة، ولذلك يقول سبحانه:

بغير عمد ترونها

[الرعد: 2]. وهنا يقول الحق: ﴿ خلق السماوات والأرض ﴾ وذلك حتى نعرف أن خلق السماوات والأرض ليست عملية سهلة وهو سبحانه القادر إنه خلقك أنت بخلق عجيب، وأعجب منه خلق السماوات والأرض، فهو القائل:

لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس

[غافر: 57]. وحين ينظر الإنسان في تكوينه يجد أشياء عجيبة، ويتحقق من قول الله:

وفي أنفسكم أفلا تبصرون

[الذاريات: 21]. وحين تتأمل السماء والأرض تجد دقة الخلق، فكأنه سبحانه قد جعل نفسك مقياسا، إنك ستعلم أحوالها تباعا وأنك ستهدي مع الأيام، إلى سر جديد في هذه النفس، هذا السر لم يعرفه الأولون، لكنك حين تتقدم في البحث العلمي وآلات السبر وآلات الاختبار تتعرف وتكتشف هذا الجديد. مثال ذلك ما يسمى بالاستطراق، وكلنا رأينا الأواني المستطرقة التي نضع فيها سائلا ينفذ في أنابيب متعرجة وأخرى مستقيمة، فيرتفع السائل فيها بمستوى واحد وهو ما نسميه بظاهرة الاستطراق، وهناك استطراق مائي، ويوجد أيضا استطراق حراري، ويتمثل الاستطراق الحراري حين نأتي بالمدفأة في الشتاء ونجلس في الغرفة، ونشعر بالحرارة التي تشع من المدفأة، وأنت تجد نفسك محتفظا بدرجة حرارتك العادية وهي سبع وثلاثون درجة. ومن العجيب أنها تتساوى في البشر جميعا حتى في القطب الشمالي والقطب الجنوبي!! فلماذا لم تستطرق درجة حرارتك مع الجو؟ ولماذا لم يأخذ الجو البارد من حرارتك لتتساوى درجات الحرارة؟. إن ذلك يثبت أن ذلك ذاتية تجعلك وحدة مستقلة عن الكون الذي تحيا فيه، وتظل درجة حرارتك عند خط الاستواء 37 درجة، وفي القطبين 37 درجة، هذا عجيب، والأعجب من ذلك أن أجزاء جسمك المختلفة تختلف فيها درجة الحرارة، فلو أن درجة حرارة العين 37 درجة لانصهرت لذلك نجد أن درجة حرارة العين تسع درجات فقط، وهناك الكبد الذي تبلغ درجة حرارته أربعين درجة، وكل أعضاء جسمك وهي مجموعة في شكل واحد ومع ذلك لا تستطرق فيها درجة الحرارة. ولذلك قال الحق:

وفي أنفسكم أفلا تبصرون

[الذاريات: 21]. ومثال آخر من عملية التنفس، فحين تدخل ذرة من غبار في مجرى النفس نجد السعال قد هاجم الإنسان ليطرد هذه الذرة وتجد أنك قد سعلت قسرا إلى أن تطرد هذه الذرة، فهل أنت سعلت بقرار منك؟ لا، بل هو عمل لا إرادي خاضع لنظام دقيق لا يمكن أن يصممه إلا خالق له مطلق الحكمة، وعلى سبيل المثال نجد الكبد محوطا بتغليفات متتابعة ليحتفظ بحرارته التي تبلغ أربعين درجة لأنه لا يؤدي مهمته إلا عند هذه الدرجة.

وكذلك نجد أن الأذن هي أطول عضو يشعر بالبرودة لأن درجة حرارتها قليلة، وهكذا أراد الصانع الأعلى. كما جاء في قوله تعالى: ﴿ وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ﴾ [الأنعام: 73]. لقد خلق الحق السموات والأرض بقوانين ثابتة لا تتغير إلا بمشيئته، فهو القائل:

لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون

[يس: 40] فيامن تريد النظام دليلا على حكمة الخالق الموجد خذها في النظام الأعلى. ويا من تريد الشذوذ دليلا على سيطرة الحق فوق الميكانيكية، خذها في الأفراد لأنه لو حصل شذوذ في الكون الأعلى لفسدت السماوات والأرض، لكن عندما يوجد أعمى واحد من ألف إنسان، فلا يحدث خلل في الكون، ولذلك نجد الشذوذ إنما يأتي فيما فيه عوض، والنظام يأتي فيما في تركه فساد، كما يقول سبحانه: ﴿ ويوم يقول كن فيكون قوله الحق ﴾ [الأنعام: 73]. وبذلك نرى الإيجاد الأول بالحق، وأيضا حين يهدم سبحانه السماء والأرض وينهي الدنيا ويزيلها، فتمور السماء، والكواكب تنتثر وتتساقط فإن ذلك يحدث أيضا بالحق، فليس الخلق والإيجاد وحده دليلا على عظمة الخالق بل إنهاء الخلق وإفناؤه وإزالته أيضا دليل عظمة لأنه سبحانه قال في البدء: " كن " فكان الكون، وفي النهاية يقول: " كن " فيكون إنهاء الخلق ليعطي للمحسن جزاء إحسانه، ويحاسب المسيء لأن المحسن قد يشقى بإحسانه طول عمره، ولا بد له من ثواب، والمسيء لن يأخذ راحته بل يأخذ عقابا. فمن الخير والعظمة أن تنتهي الحياة ليأتي يوم الحساب لينال كل جزاءه. إذن فخلق السماوات والأرض حق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق، فالحق في الإيجاد والحق في الإعدام، إنه حاصل في بدء الخلق، وفي نهايته. ﴿ وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير ﴾ [الأنعام: 73]. وهل كان الملك يوما لغير الله؟ في هذا المقام علينا أن ننتبه إلى أن فيه ملكا، ويقال لصاحبه مالك، وفيه ملك ويقال لصاحبه ملك. والملك ما تملكه فقد تملك جلبابك الذي ترتديه. أما الملك فهو أن تملك من يملك، فهذا اسمه ملك، وربنا سبحانه وتعالى في دنيا الأسباب جعل لكل واحد منا ملكا، وجعل لبعض علينا ملكا فبقوا ملوكا، لكن في الآخرة لا يوجد شيء من هذا، لذلك يقول الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦١٤