تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.127

أي أن لهؤلاء المتقدمين الذين صبروا وصابروا ورابطوا، لهم دار السلام، وهو أسلوب مكون - كما يقال - من مبتدأ وخبر، الا أن المبتدأ أخر هنا، والخبر تقدم، وكان المنطق أن يقال " دار السلام لهؤلاء " ولكن الأسلوب القرآني جاء ليقدم الخبر المكون من الجار والمجرور ومتعلقه، ويؤخر المبتدأ وذلك لخصوصية أرادها الحق، وهي أن هذه الدار لهم وحدهم دون غيرهم فهي خالصة لهم يوم القيامة و " دار السلام " مكونة من كلمتين، " دار " ومعناها ما يستقر فيه الإنسان، ويجمع هذا المكان كل ما تتطلبه حياة الإنسان، وهي أوسع قليلا من كلمة " بيت " لأن البيت مكان يعد للبيتوتة، لكن كلمة " دار " تعد للحياة ولما يتعلق بالحياة من مقوماتها. و " دار " هنا مضافة إلى السلام، وهو - كما نعلم - اسم من أسماء الله، إذن فالحق هنا يوضح: لهم دار منسوبة للسلام وهو الله، وهم مستحقون لها جزاء منه، فإذا كانت الدار التي وعدها الله هي دار السلام وهو الله، فلابد أن فيها متعا وإمكانات على قدر فضل المضاف إليه وهو الله، ولماذا لم يقل الله: " دار الله "؟ لأن الله أراد أن يأتي بوصف آخر من أوصافه ليعطيهم السلام والأمن والاطمئنان. وهناك فرق بين دور الدنيا، وهذه الدار فدور الدنيا فيها متع، ولكنك فيها بين أمرين: إما أن تفوت أنت ما هي فيه، وإما أن يفوتك ما فيها، ولذلك لا يوجد في الدنيا أمن لأن غيرك قد يناوئك فيها ويعاديك، وقد تأتي لك مكدرات المرض، وقد تأتي لك معكرات الأعداء، كل ذلك ينغص عليك الأمن والسلام في الدنيا. ولذلك أراد الحق أن تكون لك الآخرة دار سلام ما دمت قد آمنت، وأن تأمن فيها من كل الآفات التي كانت في دار الدنيا. ﴿ لهم دار السلام عند ربهم.. ﴾ [الأنعام: 127]. وكأن دار السلام ليست وعدا من الله بأن تكون، ولكنها جاهزة معدة عند الله ومحفوظة لديه تنتظر المؤمنين، وسبحانه قد خلق جنانا تتسع لكل خلقه على فرض أنهم آمنوا، وجعل من النار مثل ذلك على قدر خلقه، على فرض وتقدير أنهم كفروا. وسيأخذ المؤمنون ما أعد لهم من دور الإيمان ويرثون ما أعد للكافرين من دور الإيمان على فرض أنهم آمنوا في الدنيا.

أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون

[المؤمنون: 10-11]. فلم يخلق الحق جنانا محدودة، لا، بل أعد وهيأ من الجنان ما يتسع لكل الخلق إن آمنوا، ومن النيران ما يتسع لكل الخلق إن كفروا. وما دامت العندية منسوبة إلى الله فهي عندية مأمونة.

وبعد ذلك أيتخلى الله عنهم ويكلهم إلى ما أعده لهم؟. لا، بل قال: ﴿ وهو وليهم بما كانوا يعملون ﴾ [الأنعام: 127]. فهناك إعداد، ثم قيومية ولاية الله، وهذه القيومية لله، هي للمؤمنين في الدنيا، لكن فلنلاحظ أن الولاية في الدنيا قد تكون فيها أسباب مخلوقة لله، لكن في الآخرة هناك الجزاء الذي لا يكله الله للأسباب، فتكون الولاية مباشرة له لأنه سيعطيك فورا، وإذا خطر أي شيء ببالك تجده حاضرا: فهي متعة على غير ما ألف الناس لأن الناس يتمتعون في الدنيا بواسطة الأسباب المخلوقة لله. ولكن في الآخرة فلا ملكية لأحد حتى في الأسباب، لذلك يقول سبحانه:

لمن الملك اليوم..

[غافر: 16]. وستجد الإجابة هي قوله - سبحانه -:

لله الواحد القهار

[غافر: 16]. والحق هو الولي الذي يليك، قربا تنتفع به، فلا تضطر حتى أن تنادي عليه ليأتي لك بالمنافع ويدفع عنك المضار كما عمل لك في الدنيا ووفقك للعمل وهو وليك في الآخرة بحسن الجزاء لك بسبب ما كنت تعمل فالعمل في الدنيا هو الزرع وهو الحرث لثمرة الآخرة. ولكن أيعطينا الله على قدر أعمالنا؟ لا، بل يعطينا على قدر صبرنا لأنه إن كان العطاء على قدر الأعمال، إننا لو حسبناها لما أدينا ثمن عشر معشار نعم الله علينا في الدنيا. فكأننا نعمل في الدنيا لنؤدي شكر ما أفاء علينا وأعطانا من النعم، فإذا جاء الحق سبحانه وتعالى وأعطانا بعد ذلك ثوابا فهو الفضل منه، ولذلك يوضح الحق لنا: إياكم حين توفقون في العمل أن تفتتنوا بأعمالكم، بل عليكم أن تتذكروا ان ذلك فضل من الله:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧٠٤