تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا

[الإسراء: 36]. أي عليك أن تعرف أيها المسلم أنك مسئول عن السمع والبصر والقلب وستسأل عن ذلك يوم القيامة، لذلك لا يصح أن تتوانى عن الأخذ بأحسن العلم ليحسن قولك وفعلك. وبذلك لا يكون هناك خوف عليك في الدنيا أو الآخرة لأنك آمنت وأصلحت، وأيضا لا حزن يمسك في الدنيا ولا في الآخرة: ﴿ فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾. إنك بذلك تصون نفسك في الآخرة وفي الدنيا أيضا لأنك تسير في الحياة بإيمان وتصلح في الدنيا متبعا قوانين الله. وإن رأيت أيها المسلم متعبة في الكون فاعلم أن حكما من أحكام الله قد عطل، إن رأيت فقيرا جائعا أو عريانا فاعلم أن حقا من حقوقه قد أكله أو جحده غيره لأن الذي خلق الكون، خلق ما يعطيه الغني من فائض عنه للفقير ليسد عوزه، لكن الغني قبض يده عن حق الله، وأيضا جاء قوم يتسولون بغير حاجة للتسول، والفساد هنا إنما يأتي من ناحيتين: ناحية إنسان استمرأ أن يبني جسمه من عرق غيره، أو من إنسان آخر غني لا يؤدي حق الله في ماله، بذلك يعاني المجتمع من المتاعب. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ والذين كذبوا بآياتنا... ﴾.

6.49

والذين كذبوا بآيات الله هم إما من كذب الرسول في الآيات الدالة على صدقه وهو المبلغ عن الله، وهؤلاء دخلوا في دائرة الكفر. وإما هم الذين كذبوا بآيات المنهج، فلم يستخدموا المنهج على أصوله وانحرفوا عن الصراط المستقيم والطريق السوي. وهؤلاء وهؤلاء قد فسقوا، أي خرجوا عن الطاعة، ونعلم أن كلمة " الفسق " مأخوذة من خروج " الرطبة " عن قشرتها عندما يصير حجمها أصغر مما كانت عليه لاكتمال نضجها. والذي يفسق عن منهج الله هو الذي يقع في الخسران لأن منهج الله هدفه صيانة الإنسان المخلوق لله ب " افعل كذا " و " لا تفعل كذا ". إن الإنسان يفسق عندما لا يفعل ما أمره الله أن يفعله، أو يفعل ما نهاه الله عن أن يفعله. ونجد الإنسان منا يخاف على جهاز التسجيل أو جهاز التليفزيون من أن يفسد فيتبع القواعد المرعية لاستخدامه. فلا يمد - مثلا - جهازا من الأجهزة الكهربية بنوعية من الطاقة غير التي يحددها الصانع، فإن قال لصانع: استخدم كهرباء مقدارها مائتان وعشرون فولتا حتى لا تفسد الآلة فالإنسان ينصاع لما قاله الصانع، فما بالنا بالإنسان، إن الله - جلت قدرته - خلق الإنسان ووضع له قوانين صيانته. إذن فمن يفسد في قوانين صيانة نفسه يمسه العذاب، وكلمة يمسهم العذاب تعطي وتوحي بأن العقوبة تعشق أن تقع على المجرم، كأن العذاب سعى إليه ليناله ويمسه وهاهوذا قول الحق عن النار.

تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم يأتكم نذير

[الملك: 8]. وهو سبحانه القائل عن النار:

يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد

[ق: 30]. إذن فالعقوبة نفسها حريصة على أن تنفذ إلى من أساء. ولذلك يلح العذاب في أن يمس الذين فسقوا. ويأتي الحق هنا بكلمة " المس " لحكمة، ذلك أن عقوبة الله لا تقارن بعقوبة البشر. فالإنسان يعاقب إنسانا بمقياس قدرته وقوته، وليس لأحد من الخلق أن يتمثل قدرة الله في العذاب، ولذلك يكفي المس فقط، لأن التعذيب يختلف باختلاف قدرة المعذب، فلو نسبنا التعذيب إلى قدرة الله لكان العذاب رهيبا لا طاقة لأحد عليه. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ قل لا أقول لكم عندي... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٥٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٥٧٣