إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء..
[النساء: 48]. وهنا حدد " ما شاء " ، أي أن ما شاء يكون في غير الشرك به فإن الشرك لا يكون محل غفران منه سبحانه. أو يجوز " إلا ما شاء الله " أن بعضا يفهم أنه بمجرد البعث والحشر ستكون النار مثواهم، ولكن المثوى في النار لن يكون إلا بعد الحساب، وهذا استثناء من الزمن الخلودي، فلن يحدث دخول للجنة أو للنار إلا بعد الحساب. فزمن الحساب والحشر مستثنى وخارج عن زمن الخلود في الجنة أو النار. ونحن نجد أيضا ﴿ إلا ما شآء ربك ﴾ في سورة هود حيث يقول الحق:
فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك إن ربك فعال لما يريد * وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك عطآء غير مجذوذ
[هود: 106-108]. إذن فهناك الاستثناء في النار والاستثناء في الجنة، فقول الحق: ﴿ خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك ﴾ فمجيء الاستثناء بعد الوصف بالخلود، يدل على أن الخلود ينقطع مع أنه قد ثبت خلود أهل الجنة في الجنة وخلود أهل النار في النار للأبد من غير استثناء فكيف ذلك؟ والرد على هذا أن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار، وحده بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب سوى عذاب النار بما هو أغلظ منها كلها وهو سخط الله عليهم ولعنهم وطردهم وإهانته إياهم. وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وأجل موقعا، وهو رضوان الله كما قال:
وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر..
[التوبة: 72] فلهم ما يتفضل الله به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو، فهذا هو المراد بالاستثناء، والدليل عليه قوله: " عطاء غير مجذوذ " ومعنى قوله في مقابلته ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ أن ربك يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب، كما يعطي أهل الجنة الذي لا انقطاع له. ويذيل الحق الآية بقوله: ﴿ إن ربك حكيم عليم ﴾. حكيم في أن يعذب، عليم بمن يستحق أن يعذب، ومقدار عذابه، وعليم بمن يستحق أن يثاب وينعم، وبمقدار ثوابه ونعيمه، وحكيم في أن يرحم. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وكذلك نولي بعض... ﴾.