6.96
وسبحانه يأتي بآية أخرى من الآيات المعجزة كما جاء بالآية الأولى في أنه هو الذي خلق لنا ما يقيم حياتنا. ﴿ فالق الإصباح وجعل الليل سكنا ﴾. ومعنى " فالق " أي جعل الشيء شقين، وهما نعمتان متقابلتان لا تكفي واحدة عن الأخرى، إذ لا بد أن يوجد إصباح ويوجد الليل سكنا لأن الإصباح هو زمان وضوح الأشياء أمام رؤية العين لأننا نعلم أن الظلمة تجعل الإنسان يضطرب مع الأشياء، فإن كنت أقوى من هذه الأشياء حطمتها، وإن كانت أقوى منك حطمتك. إن السير في الظلمات التي لا يوجد فيها نور يهدي الإنسان إلى مرائيه قد يؤدي إلى خسارة الأشياء. إننا في الصباح نعمل ونسعى في الأرض، ونملأ الدنيا حركة. فإذا ما أصابنا الكد والتعب والنصب من الحركة فالمنطق الطبيعي للكائن الحي أن يستريح ويهدأ ويسكن لا بحركته فقط ولكن بسكون كل شيء حوله لأنك إن كنت ساكنا ويأتي لك ضوء فهو يؤثر في تكوينك، ولذلك يقولون الآن: إن " الأشعة " التي يكتشفون بها أسرار ما في داخل جسد الإنسان تترك آثارا. إذن فالإشعاع الصادر من الشمس يمنعه عنك الله ليلا حتى يستريح الجسم من كل شيء، من كل حركة ناشئة فيه، ومن حركة وافدة عليه، وهكذا تكون نعمة سكون الليل وظلمته مثل نعمة الصباح، وكلاهما تتمم الأخرى، ولذلك قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى في أول السورة قدم الظلمات على النور:
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور
[الأنعام: 1]. لأنك أنت لا تستطيع أن تنتفع بحركتك في النور إلا إذا كنت نشيطا ومرتاحا أثناء الليل. فإن لم ترتح كنت مرهقا ولن تستطيع العمل بدقة في حركة النهار. إذن فالظلمة مقصودة في الوجود. ولذلك فالحضارة الراقية هي التي تنظم حياة الإنسان ليعمل نهارا ويستريح ليلا، حتى لا يستأنف عمله في الصباح مكدودا. ومن يزور ريف مصر هذه الأيام يفاجأ بأن أهل الريف قد سهروا طوال الليل مع أجهزة الترفيه، ويقومون إلى العمل في الصباح وهم مكدودون مرهقون. ونقول: لنأخذ الحضارة من قمتها، ولا نأخذ الحضارة من أسفلها فحين تذهب إلى أوروبا تجد الناس تخلد وتسكن ليلا، ومن يسير في الشارع لا يسمع صوتا ولا يجد من يخرج من بيته، ولا تسمع صوت ميكروفون في الشارع حتى ينال كل إنسان قسطه من الهدوء، ويختلف الأمر في بلادنا: فالشوارع تمتلئ بالضجيج، والمريض لا يستطيع أن يرتاح، ومن يذاكر لا يجد الهدوء اللازم، ومن يتعبد تخرجه الضوضاء من جو العبادة، ونجد من يصف ذلك بأنه نقلة حضارية!! ونقول: لتأخذ كل نعمة من نعم الله على قدر معطياتها في الوجود النافع لك، وحين يأتي الليل عليك أن تطفئ المصباح حتى تهجع ولا تتشاغب فيك جزئياتك وتكوينك.
وسبحانه يقول: ﴿ فالق الإصباح ﴾ و ﴿ فالق ﴾ - كما قلنا - تعني شاقق، فهل الإصباح ينفلق؟. وبماذا؟. ونقول: إن ﴿ فالق ﴾ هي اسم فاعل، مثلما نقول: " قاتل الضربة " أي أن الضربة من يده قاتلة. و ﴿ فالق الإصباح ﴾ معناها أن الصباح ينفلق عن الظلمة لأن الظلمة متراكمة وحين يأتي الإصباح فكأنه فلق الظلمة وشقها ليخرج النور، وتعني ﴿ فالق الإصباح ﴾ أيضا أن الفلق واقع على الإصباح فيأتي من بعده الظلام، وهذه من دقة الأداء البياني في القرآن لأن الذي يتكلم إله. وامرؤ القيس قال:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
بصبح وما الإصباح منك بأمثل
والصبح والإصباح معناهما واحد. هل الصبح من طلوع الشمس؟ أو الصبح من ظهور الضوء قبل أن تشرق الشمس؟ يأتي الإصباح أولا وهو النور الهادئ، ونجد أطباء العيون بعد إجراء جراحة ما لإنسان في عينيه يقومون بفك الأربطة التي تساعد الجرح على الالتئام، يفكونها بالتدريج حتى لا يخطف الضوء البصر فورا، ومن رحمة الله أن خلق فترة الصبح بضوئها الهادئ قبل أن تطلع الشمس بضوئها كله دفعة واحدة. فكأن الصبح جاء ليفلق ظلمة الليل فلقا هادئا، ثم جاءت الشمس ففلقت الصبح. إذن الإصباح فالق مرة لأنه شق الظلمة وفلقها ومفلوق مرة أخرى لأن الظلمة جاءت بعده. إذن فاسم الفاعل قد أدى مهمتين.. المهمة الأولى: فالق الإصباح. أي دخل بضوء الشمس. وإن قلنا: إصباحه فالق، أي ظلمة الليل الأولى انفلقت. إذن فالإصباح فالق مرة، ومفلوق مرة أخرى. وسبحانه حين يقول: ﴿ فالق الإصباح وجعل الليل سكنا ﴾ يريد أن يعطي شقين اثنين لأنه هو في ذاته فالق الإصباح. فيأتي بالاسم ليعطي لها صفة الثبوت، ثم جاء ب ﴿ وجعل الليل سكنا ﴾ صفة الحدوث بعد وجود المتعلق. فإذا أراد الصفة اللازمة له قبل أن يوجد المتعلق يأتي بالاسم. وإن أراد الصفة بعد أن وجد المتعلق يأتي بالفعل. ولذلك نجد القرآن الكريم يصور الثبات في قوله الحق: