6.122
والحق سبحانه وتعالى - كما عرفنا - يعرض بعض القضايا لا عرضا إخباريا منه، ولكن يعرضها باستفهام لأنه - جل وعلا - عليم بأنه حين يأتي لك الاستفهام، ثم تدير ذهنك لتجيب فلن تجد إلا جوابا واحدا هو ما يريده الحق. إذن فالأسلوب أحيانا يكون أسلوبا خبريا أو يكون استفهاما بالإثبات أو استفهاما بالنفي. وأقواها الاستفهام بالنفي. وحين يعرض سبحانه القضية التي نحن بصددها يوضح وهو العليم أنك إن أحببت أن تجيب فلن تجد إلا الجواب الذي يريده الحق. إننا نجد في الآية الكريمة موتا وحياة، وظلاما ونورا. وما هي الحياة؟. الحياة هي وجود الكائن على حالة تمكنه من أداء مهمته المطلوبة منه، وما دام الشيء يكون على حالة يؤدي بها مهمته ففيه حياة، وأرقى مستوى للحياة هو ما تجتمع فيه الحركة والحس والفكر، وهذه الأمور توجد كلها في الإنسان. أما الحيوان ففيه حس وحركة وليس عنده فكر. غير أن الحيوان له غريزة أقوى من فكر الإنسان، فهو محكوم بالغريزة في أشياء وبالاختيار في أشياء، وليس لك في الغريزة عمل. لكن في مجال الاختيار لك عمل، تستطيع أن تعمله وتستطيع ألا تعمله. إذن فالحياة هي أن يكون الكائن على حال يؤدي به مهمته المطلوبة منه. وعلى هذا الاعتبار ففي الإنسان حياة، وفي الحياة حياة، وفي النبات حياة، وفي الجماد حياة، وكلما تقدم العلم يثبت لنا حيوات أشياء كثيرة جدا كنا نظن ألا حياة فيها، وإن ظهر لنا في التفاعلات أن بعض الأشياء تتحول إلى أشياء أخرى، فعلى سبيل المثال الحيوان فيه حياة فإذا ذبحناه وأكلناه، ورمينا عظامه، كانت فيها حياة من نوع ثم صارت أجزاؤه إلى جمادية لها حياة من نوعها، بدليل أنه حين يمر بعض من الزمن يتفتت العظم. وكنا قديما في الريف نحلب اللبن في أوعية من الفخار وتوضع في مراقد، ويستمر اللبن أسبوعا في المرقد، ويكون أحلى في يومه عن أمسه. ويزداد اللبن حلاوة كل يوم، ثم تأخذ زوجة الفلاح قطعة القشطة الأخيرة وتصنع منها الجبن الجميل الطعم. أو الزبد لكن بعد أن أغلينا اللبن نجده يفسد بعد عدة ساعات لأنك حين وضعته في المرقد، أخذته بالحياة فيه فظلت فيه حيوية حياته، لكن حين أغليته فقد قتلت ما فيه من الحياة، فإن لم تضعه في ثلاجة لابد من أن يتعفن، ومعنى التعفن أنه لم يعد يؤدي مهمته كلبن، إنما انتقل إلى حياة أخرى بفعل البكتريا وغيرها، ولا يذهب الحياة إلا الهلاك وهو ما قاله الحق:
كل شيء هالك إلا وجهه..
[القصص: 88]. إذن، لا تأخذ الميت على أنه شيء ليس فيه حياة، ولكنه انتقل إلى حياة ثانية.
﴿ أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس.. ﴾ [الأنعام: 122]. كأن الإنسان حياة في ذاته، ثم جعل الحق له نورا يمشي به. كأن الحياة متنقلة في أشياء، ويحتاج الإنسان إلى حياة، ويحتاج إلى نور تتضح به مرائي الأشياء. وكانوا قديما يعتقدون أن الإنسان يرى حين ينتقل شعاع من عينه إلى المرئي فيراه، إلى أن جاء العربي المسلم ابن الهيثم. وقال: هذا رأي جانبه الصواب في قانون الضوء، وقال: إن الإنسان يرى لأن شعاعا من المرئي يصل إلى عين الرائي. بدليل أن المرئي إن كان في ضوء يدركه الإنسان، وإن كان في ظلمة لا يدركه الإنسان، ولو كانت الأشعة تخرج من عين الإنسان لرأى الأشياء سواء أكانت في نور أم في ظلمة، وتعدلت كل النظريات في الضوء على يد العالم المسلم، وجاءت من بعد ذلك الصور الفوتوغرافية والسينما. إذن فالنور وسيلة إلى المرئيات. ويترك الحق سبحانه وتعالى في أقضية الكون الحسية أدلة على الأقضية المعنوية فالنور الحسي الذي نراه إما ضوء الشمس وإما ضوء القمر، وإما ضوء المصباح، وإما غير ذلك، وهذا ما يجعل الإنسان يرى الأشياء، ومعنى رؤية الإنسان للأشياء أن يتعامل معها تعاملا نفعيا غير ضار. ونحن نضيء المصباح بالكهرباء حين يغيب النور الطبيعي - نور الشمس - وعندما نضيء مصابيحنا نرى الأشياء ونتفاعل معها ولا نحطمها ولا تحطمنا، وكل واحد منا يأخذ من النور على قدر إمكاناته. إذن كل واحد يضيء المكان المظلم الذي اضطر إليه بغيبة المنير الطبيعي على حسب استطاعته، فإذا ظهرت الشمس أطفأنا جميعا مصابيحنا هذا دليل من أدلة الكون الحسية الملموسة لنأخذ منها دليلا على أن الله إن فعل لقيمنا نورا فلا نأتي بقيم من عندنا، ما دامت قيمه موجودة. ويوضح الله أن الإنسان بدون قيم هو ميت متحرك، ويأتيه المنهج ليحيا حياة راقية. ويوضح سبحانه لكل إنسان: احرص على الحياة الثانية الخالدة التي لا تنتهي وذلك لا يتأتى الا باتباع المنهج، وإياك أن تظن أن الحياة فقط هي ما تراه في هذا الوجود لأنه إن كانت هذه هي غاية الحياة لما أحس الإنسان بالسعادة لأنه لو كانت الدنيا هي غايتنا للزم أن يكون حظنا من الدنيا جميعا واحدا وأعمارنا واحدة، وحالاتنا واحدة، والاختلاف فيها طولا وقصرا وحالا دليل على أنها ليست الغاية لأن غاية المتساوي لا بد أن تكون متساوية. إذن فقول الله هو القول الفصل: