6.99
كان السياق يقتضي أن يقول سبحانه: أنزل من السماء ماء " فأخرج ". لكنه هنا قال: " فأخرجنا " لأن كل شيء لا يوجد لله فيه شبهة شريك فهو من عمله فقط، ولا يقولن أحد إنه أنزل المطر وأخرج النبات لأن الأرض أرض الله المخلوقة له والبذور خلقها الله، والإنسان يفكر بعقل خلقه الله وبالطاقة المخلوقة له. وأنت حين تنسب الحاجات كلها إلى صانعها الأول، فهو إذن الذي فعل، لكنه احترم تعبك، وهو يوضح لك: حين قال: " فأخرجنا " أي أنا وأسبابي التي منحتها لك، أنا خلقت الأسباب، والأسباب عملت معك. فإذا نظرت إلى مسبب الأسباب فهو الفاعل لكل شيء. وإن نظرت إلى ظاهرية التجمع والحركة فالأسباب التي باشرها الإنسان موجودة لذلك يقول: " فأخرجنا ". وسبحانه جل وعلا قد يتكلم في بعض المواقف فيثبت للإنسان عملا لأنه قام به بأسباب الله الممنوحة له، ولكنه ينفي عنه عملا آخر ليس له فيه دخل بأي صورة من الصور مثل قوله الحق:
أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون
[الواقعة: 63-64]. سبحانه هنا ينسب لنا الحرث لأننا قمنا به ولكن بأسباب منه - سبحانه - فهو الذي أنزل لنا الحديد الذي صنعنا منه المحراث وهدانا إلى تشكيله بعد أن ألانه لنا بالنار التي خلقها لنا، وبالطاقة التي أعطانا إياها، أما الزراعة فليس لأحد منا فيها عمل ولذلك يقول سبحانه:
لو نشآء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون
[الواقعة: 65]. هنا - سبحانه - أتى باللام في قوله تعالى: لجعلناه للتأكيد لأن الإنسان له في هذا الأمر عمل، إنه حرث وتعهد ما زرعه بالري والكد حتى نما وأثمر، لكن قد تصيبه آفة تقضي عليه، فالأسباب وإن كانت قد عملت إلا أنها لا تضمن الانتفاع بثمرة الزرع، ذلك لأن الأسباب لا تتمرد، ولا تتأبى على الله ولا تخرج عليه، إنها تؤدي ما يريده منها الله، وقد يعطلها سبحانه. أما في قوله تعالى:
أفرأيتم المآء الذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشآء جعلناه أجاجا
[الواقعة: 68-70]، إنه سبحانه لم يقل لجعلناه، لأنه ليس لأحد فيه عمل لذلك لم يؤكده باللام. ويقول سبحانه:
أفرأيتم النار التي تورون * أأنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن المنشئون * نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين
[الواقعة: 71-73]. إن كل شيء يذكره الحق يذكر معه أيضا ما ينقضه، ذلك حتى لا يفتن الإنسان بوجود الأشياء، وعليه أن يستقبل الأشياء مع إمكان إعدامها. وإذا ما كان الإنسان هو الذي يحرث فالحق بطلاقة قدرته قد يجعل النبات حطاما، ومن قبل قال عن مقومات الحياة:
أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون
[الواقعة: 58-59]. ثم جاء سبحانه بما ينقضه فقال:
نحن قدرنا بينكم الموت
[الواقعة: 60]. أما عن النار فلم يقل - سبحانه - إنه يقضي عليها ويخمدها ويطفئها، إنه - جل شأنه - أبقاها ليعلمنا ويذكرنا بنار الآخرة
نحن جعلناها تذكرة
[الواقعة: 73] أي لا بد أن نتركها أمامكم حتى لا يغيب عنكم العذاب الآخروي
ومتاعا للمقوين
[الواقعة: 73] أي ونتركها - دون نقض لها وذلك لأمر آخر هو المنفعة في الدنيا للذين ينزلون أماكن خالية قفراء أو للذين خلت بطونهم وأوعيتهم ومزاودهم من الطعام لأن النار تنفعهم وتساعدهم على إعداد طعامهم استبقاء لحياتهم: ﴿ فأخرجنا به نبات كل شيء ﴾ [الأنعام: 99]. والشيء هو ما يخبر عنه الهباءة شيء، والذرة شيء وكل حاجة اسمها شيء، ومعنى نبات كل شيء: أن كل حاجة مثل النبات تماما. رأينا الحجارة التي يقول عنها العلماء هذه جرانيت، وتلك الرخام وتلك مرمر، ولو نظرت إلى أصلها وجدتها أعمارا للحجارة، طال عمر حجر ما فصارا فحما، وطال عمر آخر فصار جرانيتا، وهكذا. وكل حاجة لها حياة لتثبت لنا القضية الأولى، وهي:
كل شيء هالك إلا وجهه...