تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.139

ويقودهم الباطل إلى باطل آخر فادعوا أن ما في بطون هذه الأنعام من اللبن ومن الأجنة إذا نزلت حية فهي للذكور منهم فقط، ولا تأكل النساء من ذلك شيئا، وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء وهذا يدل على التشقيق في القسمة. ويذيل الحق الآية بالقول الكريم: ﴿ سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم ﴾ [الأنعام: 139]. أي سيجازيهم على كذبهم وافترائهم بما يليق عقابا للكاذبين لأنه - سبحانه - حكيم في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره عليم بما يفعلونه من خير وشر، إنه سيجازيهم على ما فعلوه أتم الجزاء وأكمله. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ قد خسر الذين... ﴾.

6.140

وجه الخسران أنهم لم يلتفتوا إلى أن الله يرزقهم ويرزق أبناءهم أيضا، ولعلك أيها الأب قتلت ولدا، كنت ستعيش أنت في رحاب رزقه، وكثيرا ما يكون البعض من الأولاد صاحب رزق وفير، ويقال عن مثل هذا الابن: إن وجهه وجه الخير والسعد والبركة، فمن يوم أن ولد ولد معه الخير، وذلك حتى لا يتأبى الإنسان على عطاء الله لأنك حين تتأبى على عطاء الله تحرم نفسك العطاء فيما تظنه غير عطاء، وهذا خسران كبير. إننا نلحظ أن العرب كانوا في بيئة تستجيب وتلبي الصريخ، فساعة يصرخ من في شدة نزلت به واستنجد، يجد من ينقذه، والأولى بالنجدة أهل الرجل وأولاده. والمثال على ذلك ما حدث من جد رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما ذهب ليحفر البئر، وجاءت قريش ووقفت له حتى لا يحفر. فقال: لو أن لي عشرة أبناء سأضحي بواحد منهم. إذن فكثرة الأولاد في هذه المسائل تعطي العزوة وتكثر الصريخ، ولا يفعل ذلك إلا المفطور على النجدة. وإن قتلت ابنا خوفا من الفقر فقد تخسر رزقا قد يكون في طي من تقتل من الذرية، وفوق ذلك تفقد مباهج الشأن أو العزوة أو الآل. أو على الأقل أنهم قد خسروا لأنهم عاكسوا مرادات الله في الإيجاد بالإنجاب. ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم.. ﴾ [الأنعام: 140]. و ﴿ سفها ﴾ تعني طيشا، وحمقا، وجهلا. ﴿ وحرموا ما رزقهم الله افترآء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ﴾ [الأنعام: 140]. وهم حين يحرمون على أنفسهم ما رزقهم الله من الأنعام، فهم أهل حمق وضلال وخسران فلو تركوها لانتفعوا منها في حمل أثقالهم أو فيما تدره من لبن، أو في أكل لحمها. إنهم بحمقهم وجهلهم قد خسروا كثيرا، وهم مع ذلك فعلوا ما فعلوا بكذب متعمد على الله، وهم قد ضلوا ولم يكونوا أهلا للهداية، وكان يكفي أن يصفهم بقوله: ﴿ قد ضلوا ﴾ لكنه أضاف: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ لأن الضلال هو عدم الذهاب إلى المقصد الموصل للغاية، وقد يكون ذلك عن جهل بالطريق، لكن الحق سبحانه رسم لهم طريق الحق فآثروا الذهاب إلى الضلال مع وجود طريق الحق. ويقول سبحانه بعد ذلك: ﴿ وهو الذي أنشأ... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧١٨