6.158
فهل ينتظرون من عطاءات الوجود المحيط بهم إلا أن تأتيهم الملائكة التي تقبض الروح؟ والملائكة تأتي هنا مجملة. وفي آيات أخرى يقول:
الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم
[النحل: 28]. ولن يتأبى أحد على الملائكة لذلك يلقون لهم السلم وتنتهي المسألة. ويتابع سبحانه: ﴿ أو يأتي ربك ﴾ [الأنعام: 158]. ووقف العلماء عند هذا القول الكريم لأنهم أرادوا أن يفسروا الإتيان من الرب على ضوء الإتيان منا، والإتيان منا يقتضي انخلاعا من مكان كان الإنسان فيه إلى مكان يكون فيه، وهذا الأمر لا يصلح مع الله. ونقول: أفسرت كل مجيء على ضوء المجيء بالنسبة لك؟ بالله قل لي: ما رأيك في قوله تعالى:
وجاءت سكرة الموت بالحق
[ق: 19]. كيف جاءت سكرة الموت وهي المخلوقة لله؟ إننا لا نعرف كيف يجيء الموت وهو مخلوق؟ فكيف تريدون أن نعرف كيف يجيء الله؟. عليكم أن تفسروا كل شيء بالنسبة لله بما يليق بذات الله في إطار
ليس كمثله شيء
[الشورى: 11] ولنتأذب ونعط العقول مقدارها من الفهم، ولنجعل كل شيء منسوبا لله بما يناسب ذات الله لأن المجيء يختلف بأقدار الجائين، فمجيء الطفل غير مجيء الشاب، غير مجيء الرجل العجوز، غير مجيء الفارس، فما بالنا بمجيء الله سبحانه؟!! إياك - إذن - أن تفهم المجيء على ضوء مجيء البشر. وأكررها دائما: عليك أن تأخذ كل شيء بالنسبة له سبحانه لا بقانونك أنت، ولكن بقانون الذات الأعلى، واجعل كل ما يخصه في إطار " ليس كمثله شيء " ، ولذلك قل: له سمع ليس كسمعنا، وبصر ليس كبصرنا، ويد ليست كأيدينا، في إطار " ليس كمثله شيء ". وإياكم أن تسمعوا مناقشة في قوله: ﴿ يأتي ربك ﴾. وقل إن إتيان الله ومجيئه ليس كفعل البشر، بل سبحانه " ليس كمثله شيء " ﴿ أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك ﴾. و ﴿ بعض آيات ربك ﴾ ، هي العلامات، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ودابة الأرض، والدجال، وخويصة أحدكم وأمر العامة ".
و " خويصة أحدكم " تصغير: خاصة، والمراد حادثة الموت التي تخص الإنسان، وصغرت لاستصغارها في جنب سائر العظائم من بعث وحساب وغيرهما وقيل: هي ما يخص الإنسان من الشواغل المقلقة من نفسه وماله وما يهتم به. و " أمر العامة ": أي القيامة لأنها تعم الخلائق، أو الفتنة التي تعمي وتصم، أو الأمر الذي يستبد به العوام ويكون من قبلهم دون الخواص. ﴿ أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ﴾ [الأنعام: 158].
لأن الإيمان لا يكون إلا بأمر غيبي فكل أمر مشهدي مدرك بالحواس لا يسمى إيمانا فأنت لا تقول: انا أؤمن بأني أقرأ الآن في كتاب خواطر الشيخ الشعراوي حول آيات القرآن الكريم لأنك بالفعل تقرأ هذه الخواطر الآن. وأنت لا تقول: أنا أؤمن بأن النور يضيء الحجرة لأن هذا أمر مشهدي، وليس أمرا غيبيا. والإيمان يكون دائما بأمر غيبي، ولكن إذا جاءت الآيات فإننا ننتقل من الإيمان بالأمر الغيبي إلى الإيمان بالأمر الحسي، وحينئذ لا ينفع الإيمان من الكافر، ولا تقبل الطاعة من صدقة أو غيرها من أنواع البر والخير بعد أن تبلغ الروح الحلقوم وتقول: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان. هذا لا ينفع لأن المال لم يعد مالك، بل صار مال الورثة، كذلك الذي لم يؤمن وبعد ذلك رأى الآيات الست التي قال الشارع عنها: إنها ستحدث بين يدي الساعة أو قبل مجيء الساعة. وساعة ترى هذه الآيات لن يقبل منك أن تقول: آمنت لأن الإيمان إنما يكون بالأمر الغيبي، وظهور الآيات هو أمر مشهدي فلن يقبل بعده إعلان الإيمان. والحق هو القائل: ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض ءايات ربك يوم يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمنها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمنها خيرا.. ﴾ [الأنعام: 158]. أي أن الإيمان يجب أن يكون سابقا لظهور هذه الآيات، وألا يكون المانع له من العمل القصور، كأن يكون الإنسان - والعياذ بالله - مجنونا ولم يفق إلا بعد مجيء العلامة، أو لم يبلغ إلا بعد وجود العلامة فهذا هو من ينفعه الإيمان. وقد عرض الحق لنا من هذه الصور ما حدث في التاريخ السابق، فهو القائل: