تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مآ أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم

[القلم: 2-4]. وقد أعد الله رسوله ليستقبل النبوة بقوة الفعل، لا بسفه الرأي، وله في إبلاغ رسالة ربه ثواب لا مقطوع ولا ممنوع، وهو على الخلق العظيم. والخلق العظيم - كما نعلم - هو استقبال الأحداث بملكات متساوية وليست متعارضة ولا يملك ذلك إلا عاقل. وقد شهدوا هم بخلق محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف يأتي هذا الخلق العظيم من مجنون؟ وكيف يصدر السلوك المتصف بالسلامة والصلاح والخير من مجنون؟ كانت - إذن - كل اتهاماتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم تنبع من إصرارهم على الكفر، لا من واقع لمسوه، فكل ما قالوه في رسول الله هم أول الناس الذين شهدوا عكسه ولمسوا نقيضه. وجاءوا - إصرارا على الكفر - يطلبون أية أخرى: ﴿ وقالوا لولا أنزل... ﴾.

6.8

ما الملك؟ الملك جنس جعله الله من الغيب، ونحن لا نؤمن به إلا لأن الله الذي آمنا به قال: إن له ملائكة مثلما قال: إن هناك جنا، والملائكة من جنس الغيب، والجن مستور عنا. وهؤلاء المنكرون الجاحدون يطلبون نزول ملك حتى يؤمنوا. إذن فهم قد عرفوا أن هناك غيبا وأن فطرتهم الأولى تحمل أثرا من منطق السماء لكنهم ينكرون، وقولهم بالملك دليل على أن في أعماقهم رواسب من دين إبراهيم ودين إسماعيل، وبقيت تلك الآثار في النفوس لأنها مسألة لا تمس السيادة، ولو أنزل الحق لهم ملكا لما آمنوا أيضا، فهم مكذبون. ولا يريد الحق أن يطبق عليهم سنته بنزول الآية التي يطلبونها حتى لا ينزل بهم عقابه إن كفروا بها. فلو أنزل الحق عليهم ملكا كما يطلبون ثم كفروا لقضي الأمر وأهلكوا بدون إمهال. إذ لو تجلى الملك لهم وظهر على طبيعته ما تحملته كياناتهم البشرية. ولقد نزل الملك بآثاره الدامغة وهو غيب أنزله - سبحانه وتعالى - بالوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل في رسول الله ما فعل، ولم يظهر من عمله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أثره فحسب. وهاهوذا رسول الله يشرح لنا ذلك لحظة مجيء الملك أول مرة في غار حراء: فقال الملك: اقرأ.

" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ: فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني، فقال: ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذى علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم ﴾. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته يرجف فؤاده ودخل على زوجه السيدة خديجة بنت خويلد، فقال: زملوني زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع. وأخبرها الخبر وقال: " لقد خشيت على نفسي " فقالت خديجة - رضي الله عنها - وهي تعدد صفات وخلق رسول الله العظيمة: " كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر ".

هكذا كان الإيمان الأول من خديجة من فور أن عرفت خبر الوحي. ويطمئن الحق رسوله من بعد ذلك قائلا:

ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك

[الشرح: 1-4]. وشرح الله صدر رسوله فصار هذا الصدر مهبط الأسرار والعلم وحط عن ظهر الرسول الكريم الأعباء الثقال، وارتبط اسم الرسول صلى الله عليه وسلم بأصل الإيمان والعقيدة حتى صار اسم رسول الله مقرونا باسمه - جل شأنه - في الشهادة الأولى للإسلام " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ".

إذن كان هذا حال رسول الله حين تجلى له الملك لا بالحقيقة الملكية، ذلك أن هناك فارقا بين البنيان البشري والبنيان الملكي. فالبنيان البشري يستقبل الأشياء المادية التي تناسب تكوينه، فإن جاءت له طاقة أعلى منه فلا يمكنه أن يستقبلها إلا إذا أعد الله الملك وصوره بصورة تجعله قابلا للإرسال، وأعد الله الرسول ليكون قابلا للاستقبال. ونعلم جميعا قصة موسى لما جاء لميقات ربه، وقال الله في وصف ذلك اللقاء:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٥١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٥١٧