تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.79

والسموات والأرض هما المظهر الأول للكون الذي طرأ عليه الإنسان لأن الكون طرأ عليه الإنسان - الخليفة في الأرض - ووجد كل الخيرات والمسخرات، ولذلك يوضح الحق سبحانه وتعالى: إياكم أن تقولوا إني خلقتكم فقط، بل خلقت لكم الكون.

لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس

[غافر: 57]. ويقدم سيدنا إبراهيم برهانه لقومه، إنه يعبد الله وحده الذي خلق السموات والأرض، رافضا كل فساد في الكون، ويتمثل هذا في قوله: ﴿ حنيفا ﴾ ، و " الحنف " في اللغة هو ميل في القدمين، ونجد القدم مقوسة إلى الخارج. وهذا يعني أنه لا يسير على طريق الفساد الموجود في الكون لأن السماء تتدخل بالرسالات حين يطم الفساد في الأرض، وحين يأتي الرسول مائلا عن الفساد فهو يسير معتدلا لأن الميل عن الفساد اعتدال واستقامة. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وحآجه قومه قال... ﴾.

6.80

وحاجه أي حاججه بإدغام الجيمين في بعضهما. أي أن كل طرف يقول حجة والطرف الآخر يرد عليه بالحجة، فإذا كنت في نقاش وكل واحد يدلي بحجته، فهذا اسمه الحجاج، أو الجدل المبطل، أي أنك تبطل كلامه وهو يبطل كلامك. ﴿ وحآجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ﴾ [الأنعام: 80]. وإذا كان إبراهيم قد جادلهم بمجاراة أفكارهم وأثبت بطلانها، فكيف يجادلونه إذن؟. كأن الغرض من الحجاج صرف إبراهيم عن دينه الحنيف الذي ارتآه في قوله سبحانه:

إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ومآ أنا من المشركين

[الأنعام: 79]. ويرد عليهم: ﴿ أتحاجوني في الله وقد هدان ﴾ [الأنعام: 80]. أي أن مسألة الإيمان قد حسمت. فقد آمن إبراهيم بالله ويعلن للقوم: ﴿ ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشآء ربي شيئا ﴾ وهذا القول يدل على أنهم قد هددوه لأن كلمة " الخوف " جاءت ونفاها عن نفسه. ويعلنها إبراهيم قوية: ﴿ ولا أخاف ما تشركون به ﴾ أي لا أخاف من الكواكب التي تأفل سواء أكانت نجما أم قمرا أم شمسا أم تلك الأصنام التي تعبدونها فليس لها نفع ولا ضر، والضر والنفع هما من صنع الله فقط. ولذلك تتجلى الدقة في الأداء العقدي فيقول الحق على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿ ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشآء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون ﴾ [الأنعام: 80]. فإن شاء الحق أن ينزل على عبد كوكبا يصعقه أو يحرقه فهذا موضع آخر لا دخل لمن يعبد الكواكب به، ولا دخل للكواكب فيه أيضا لأن النافع والضار هو الله، فحين يشاء الله الضر، يأتي الضر، وحين يشاء النفع يأتي النفع. ﴿ إلا أن يشآء ربي شيئا ﴾ [الأنعام: 80]. أي اذكروا جيدا، وافرقوا بين فعل يقع من فاعل، وفعل يقع من آلة فاعلها غير تلك الآلة، فحين يشاء الله أن يوقع على إنسان كوكبا، أو صخرة فليست الصخرة هي التي صنعت وقوعها، ولا الكوكب هو الذي أسقط نفسه، إنما الفاعل هو الله: ﴿ وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون ﴾ [الأنعام: 80]. وقوله ﴿ أفلا تتذكرون ﴾ يدل على أن قضايا العقائد مأخوذة بالفطرة، وإقبال النفس على الشهوات هو ما يطمس آثار هذه الفطرة، فليس المطلوب منك أيها الإنسان إنشاء فكرة عقدية بل المطلوب منك أن تتذكر فقط، والتذكر أمر فطري طبيعي لأن الإنسان الخليفة في الأرض هو الذي تناسل من آدم إلى أن وصل إلينا فقد جاء آدم إلى الأرض ومعه منهج سماوي ينظم به حركة الحياة، ولقن آدم المنهج لأولاده، وكذلك فعل أبناء آدم مع أولادهم، ولكن المناهج تنطمس لأن المناهج تتدخل في أهواء الناس وتثنيهم عن شهواتهم وتصدهم عن المفاسد فيعرضون عنها أو يتجاهلونها، إذن فهي عرضة أن تنسى، والرسالات إنما تذكر بالمنهج الأصلي الذي أخذناه عن الحق سبحانه وتعالى، لذلك يعلنها إبراهيم: ﴿ وكيف أخاف مآ أشركتم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦٢٥