تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس كمثله شيء

[الشورى: 11]. إنه سبحانه وتعالى قيوم يحكم عباده في الزمان والمكان في حالة يقظتهم وفي حالة نومهم. ومثال من حياتنا اليومية، نحن نجد الرجل وزوجه ينامان في فراش واحد، وقد يرى الرجل في المنام أنه يواجه أعداءه، وترى الزوجة نفسها محاطة بسعادة الأبناء والأحفاد، ويستقيظ كل منهما ليحكي ما رأى في أكثر من ساعة، على الرغم من أن مخ الإنسان لا يعمل في أثناء النوم إلا لسبع ثوان. إذن، ففي النوم تلغى المعية وكذلك الزمن، والمكان. فإذا كانت تلك هي القوانين التي تحكم الإنسان، فعلينا أن نعرف أن خالق كل القوانين وهو الحق لا يمكن إدراك صفاته، وعلينا أن نأخذها في إطار:

ليس كمثله شيء

[الشورى: 11]. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ قل أغير الله... ﴾.

6.14

والهمزة هنا في " أغير " يسمونها همزة الإنكار كقول قائل: أتسب أباك؟ إنها ليست استفهاما بقدر ما هي توبيخ ولوم. وكذلك: ﴿ أغير الله أتخذ وليا ﴾. أي أن الحق يأمر رسوله أن يستنكر اتخاذ ولي غير الله. إن اتخاذ الله كولي هو أمر ضروري لأن الإنسان تطرأ عليه أحداث تؤكد له أنه ضعيف وله أغيار، وساعة ضعف الإنسان لا بد أن يأوي إلى من هو أشد منه قوة ولا يتغير. إن الولي - وهو الله - قوته لا يمكن أن تصير ضعفا، وغناه لا يمكن أن ينقلب فقرا، وعلمه لا يمكن أن يئول إلى جهل. إنه مغير ولا يتغير. ولذلك فمن نعمة الله على خلقه أنه جعل من نفسه وليا لهم، فهو صاحب الأغيار. والحق سبحانه وتعالى يعلم خلقه أن يكونوا أهل حكمة يضعون الأمور في نصابها ويتوكلون عليه، فهو الحي الذي لا يموت. ونلحظ أن الحق هنا يأمر رسوله بالبلاغ عنه. وتتجلى هنا دقة الأداء القرآني فيأتي البلاغ كما نزل من الحق حرفيا. مثال ذلك قول الحق سبحانه:

قل هو الله أحد

[الإخلاص: 1]. ويبلغنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالنص القرآني كما نزل عليه، مبتدئا بكلمة " قل " ويبلغه الرسول لنا بأمانة البلاغ عن ربه. وهو هنا يقول: ﴿ قل أغير الله أتخذ وليا ﴾. وهو الإله الذي جاءت كمالاته في الآيات السابقة الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور وله ما سكن في الليل والنهار، هذا الإله الحق هو الجدير بالعبادة. ويريد الحق لرسوله أن يستخرج من الناس الإجابة، لا أن يقول هو: لا أتخذ وليا غير الله، وسبحانه يأمر رسوله أن يسألهم: ﴿ قل أغير الله أتخذ وليا ﴾. وليكن السؤال مطروحا منك يا رسول الله تبليغا عن الله، وتعطى لهم الحرية في الإجابة، وسيكون الجواب كما تريد. وعندما يسمع الإنسان مثل هذا السؤال لا بد أن يسأل نفسه ويدير عقله كي يجد جوابا. ولن يجد الإنسان جوابا سوى أن يقول: ليس لي ولي غير الله فالولي هو القريب الذي ينصر الإنسان في ضعفه، وإن استصرخه جاء لينقذه. ولا يستصرخ الإنسان أحدا إلا إذا انتابه حادث جلل، فإذا ما جاء القوي ليغيث صاحبه الصرخة فهو يطمئن إلى أن من جاءه سيعينه ويخلصه. واتخاذ الولي أمر فطري في الكون، والأمر المنكر أن يجعل الإنسان لنفسه وليا غير الله. ونحن - المؤمنين - يتخذ بعضنا بعضا أولياء في إطار الولاية لله مصداقا لقوله الحق:

والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم

[التوبة: 71]. ويتبادل المؤمنون والمؤمنات المحبة والنصرة طبقا للتعاقد الإيماني بينهم وبين الحق سبحانه وتعالى، ويأمر بعضهم بعضا بأوامر المنهج، وينهى بعضهم بعضا عن المحظورات التي حرمها الله ويتواصلون مع الحق بإقامة الصلاة. ويؤدون حق الله في مالهم بالزكاة، ويطيعون الله ويمتثلون أوامر رسوله، وهم بذلك ينالون وعد الله الحق بالرحمة، وهو سبحانه القادر على رعايتهم، وهو حكيم في صيانتهم، عزيز لا يغلبه أحد. إذن فأنت تطلب الولي لحظة الضعف، ولحظة الشدة، ولا يوجد إنسان استوت له كل زوايا الحياة فيصير قويا لا يضعف أبدا، أو يصير غنيا لا يفتقر أبدا. ونعلم أن الإنسان من الأغيار، فلم نر قويا ثبتت له قوته، ولا غنيا ثبت له ثراؤه فالإنسان ابن الأغيار، وتأتي له حالات فوق قدرته لذلك فهو يسأل عمن يعينه ويساعده. والمؤمن يحب أيضا أن يكون قويا ليساعد غيره لأن الحق سبحانه وتعالى قد وزع المواهب على خلقه في الكون ليضمن بقاء الولاية واستمراريتها، فأنت في احتياج إلى عمل إنسان آخر لأنك ضعيف في ناحية وغيرك قوي فيها، الطبيب يحتاج إلى المهندس، والمهندس يحتاج إلى الطبيب، والطبيب والمهندس يحتاجان إلى الفلاح، والفلاح يحتاج إلى عمل المهندس والطبيب، والطبيب والمهندس والفلاح يحتاجون إلى عمل المحامي. هكذا وزع الله المواهب في الكون، ولم يجعل من إنسان مجمعا لكل المواهب. وذلك حتى يتساند المجتمع لا بالتفضل والتكرم بل بتساند الحاجة. فكل إنسان هو سيد في زاوية ما من زوايا الحياة، وبقية الزوايا يسودها غيره من البشر، ولذلك يقول الحق سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٥٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٥٢٣