6.112
﴿ وكذلك ﴾ إشارة من الحق سبحانه وتعالى إلى الرسل والأنبياء ليعطي الأسوة للرسول بإخوانه السابقين له في موكب الرسالات، فلست بدعا - يا محمد - في أنك رسول يواجه بأعداء، فكل رسول من الرسل ووجه وقوبل بهؤلاء الأعداء. وهل فت أعداء الرسل في عضد من أرسل إليهم وأضعفوا قوتهم وأوهنوا عزائمهم وأثنوهم عن دعوتهم؟ أم ظل الرسل أيضا صامدين؟.. إنهم صمدوا وأيدهم الله ونصرهم وإذا كنت أنت خاتم الرسل، وسيد المرسلين، والمعقب على رسالات سبقتك ولا معقب على رسالتك فلا بد أن يكون الأعداء الذين يواجهونك مناسبين للمهمة التي تؤديها. وإياك أن تظن أن المقصد في هذه العداوة أننا تركناهم أعداء لمجرد العداء، لا، بل نحن قد أردنا هذه العداوة لصالح الدعوة لأن الإنسان إذا ما كان في منهج خير وأهاجه الشر يتحمس لمزيد من الخير. ولذلك لا تجد الصحوات الإيمانية إلا حين يجد المؤمنون تحديا من خصومهم، هنا تجد الصحوة الإيمانية قد استيقظت لأن هناك خصوما يتحدونها، ولو لم يكن هناك خصوم لبقيت الصحوة فاترة. وهذا ما نراه حين يوجد من خصوم الإسلام من أي لون من ألوانهم من يتحدى أي قضية من قضايا الدين. في هذه الحالة نجد حتى غير الملتزم بمنهج الإسلام يغار على الدين. إذن فالعداوة لها فائدة، وإياك أن تظن أن في أي مظهر في الوجود يغلب الله على مراداته في كونه، والشر له رسالة لأنه لولا أن الشر موجود ويصاب الناس من أذاه لما تحمس الناس للخير، فالذي يجعلنا نتحمس للخير هو وجود الشر، وأوضحنا من قبل أن الباطل جندي من جنود الحق: لأن الباطل حين يعض ويعربد في الناس يتساءل الناس متى يأتي الحق لينقذنا، وأنك ساعة ترى مريضا يتألم إياك أن تظن أن الألم قد جاءه دون سبب، بل الألم جندي من جند الشفاء. وكأن الألم يقول لمن يصيبه: يا إنسان تنبه أن عطبا في هذا المكان فسارع إلى علاجه. ولذلك نجد أعنف الأمراض وأشرسها وأخبثها، هي الأمراض التي تأتي بلا ألم يسبقها، ولا تظهر أعراضها إلا أن يستعصي شفاؤها، وهكذا نرى أن الألم جندي من جنود العافية. وحين يكون لك عدو في الحارة أو في البلدة وعيونه مركزة عليك فأنت تخاف أن تقع منك هنة وعيب حتى لا يشنع عليك لذلك تسير على الصراط المستقيم لأنك لا تريد أن تنصره على نفسك. والشاعر القديم، الذي أعجبه الشعر فشطره. يقول لك:
عداي لهم فضل علي ومنة
فعندي لهم شكر على نفعهم ليا
فهم كدواء والشفاء بمره
فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها
فأصبحت مما دنس العرض خاليا
وهم أججوا جهدي ولكن ببغضهم
وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
لذلك لابد أن تنظر إلى كل شيء بحكمة إيجاد الحكيم له فقد شاء الحق أن يوجد الأعداء للدعوة الإسلامية حتى تنتصر وتقوى. ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شآء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ﴾ [الأنعام: 112]. وجعل الحق سبحانه وتعالى الأعداء للأنبياء، مهيجين ومثيرين للنبي ولأتباعه لأن الأمر إذا حصلت فيه معارضة من مخالف أججت في نفس المقابل قوة حتى لا يهزم أمامه ولا يغلب أمام منطقه. ولذلك قال الحق: ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ لأي أنهم لم يتطوعوا بالعداوة إنما هو تسخير للعداوة ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ﴾. وكيف يجعل الله لكل نبي عدوا؟ إنه يفعل ذلك بما أودع في الناس من الاختيار، وما داموا مختارين فالذي اختار الهدى يكون نصيرا للنبي، والذي اختار الضلال يكون عدوا للنبي. إذن فهم لم يكونوا أعداء بطبيعتهم، وإنما بما أودع الله فيهم من الاختيار. وإذا كان الله هو الذي أودع الاختيار فقد أراد أن يحقق مشيئته في قوله:
ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة..
[الأنفال: 42]. ولو شاء الله الا يكون للنبوة أعداء لفعل ذلك لأن له طلاقة القدرة، ولكن ذلك سيكون بالقهر، والله لا يريد قهرا للعقلاء، وإنما يريد أن يذهبوا إليه بمحض اختيارهم أي وهم قادرون على ألا يذهبوا. وكلمة " عدو " في ظاهرها أنها مفرد، ولكنها تطلق على الواحد، وتطلق على الاثنين، وتطلق على الجماعة، فتقول: " هذا عدو لي " و " هذه عدو لي " ولا تقل " عدوة " ، وتقول: وهذان عدو لي، وهاتان عدو لي، لأن كلمة " عدو " تطلق على الذكر والأنثى وتقال للمفرد وللمثنى، وللجمع. اقرأ قول الحق: