6.153
أي أنه ختم الوصايا التسع بهذا القول لأن الصراط المستقيم يشمل الوصايا التسع السابقة ويشمل كل ما لم يذكر هنا. وقلت: إننا نلاحظ أن الخمس الأول ذيلها الحق بقوله: ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ ، والأربع التي بعدها ذيلها الحق بقوله: ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ والواحدة الجامعة لكل شيء قال تذييلا لها: ﴿ لعلكم تتقون ﴾. فما الفرق بين التعقل والتذكر والتقوى؟ إن الأشياء الخمسة الأولى التي قال الحق فيها:
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون
[الأنعام: 151]. هذه الأشياء كانت موجودة في بيئة نزول القرآن، إنهم كانوا يشركون بالله ويعقون والديهم ويقتلون الأولاد ويقارفون الفواحش ويقتلون النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، فأوضح لهم: تعقلوها، فإذا ما تعقلتموها تجدون أن تكليف الله بمنعكم من هذه الأفعال، إنه أمر يقتضيه العقل السليم الذي يبحث في الأشياء بمقدمات سليمة ونتائج سليمة، لكن " الأربع " الأخرى، هم كانوا يفعلونها ويتفاخرون بها. ففي التي كانوا يعملونها من القيام على أمر مال اليتيم والوفاء في الكيل والميزان والعدل في القول والوفاء بالعهد قال: ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ أي إياكم أن تغفلوها فإذا كنتم تفعلونها وأنتم على جاهلية فافعلوها من باب أولى وأنتم على إسلامية. ثم جاء بالوصية الجامعة: ﴿ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ﴾ [الأنعام: 153]. ونظرا لأن هذه الوصية تستوعب كل الأحكام إيجابا وسلبا، نهيا وأمرا، فوضح لهم أنه يجب عليكم أن تتبعوا الصراط المستقيم: لتقوا أنفسكم آثار صفات القهر من الحق سبحانه وتعالى، وأول جنودها النار. والصراط: هو الطريق المعبد، ويأخذون منه صراط الآخرة، وهو - كما يقال - " أدق من الشعرة، وأحد من السيف " ، ما معنى هذا الكلام؟. معناه أن يمشى عليه بيقظة تامة واعتدال لأنه لو راح يمنة يهوي في النار، ولو راح يسرة يسقط فيها، فهو صراط معمول بدقة وليس طريقا واسعا، بل - كما قلنا - " أدق من الشعرة وأحد من السيف " فلتمش على صراط الله ومنهجه معتدلا، فلا تنحرف يمنة أو يسرة لأن الميل - كما قلنا - يبعدك عن الغاية، إنك إذا بدأت من مكان ثم اختل توازنك فيه قدر ملليمتر فكلما سرت يتسع الخلل، وأي انحراف قليل في نقطة البداية يؤدي إلى زيادة الهوة والمسافة. كذلك الدين، كلما نلتقي فيه ويقرب بعضنا من بعض، نسير في الطريق المستقيم، وكلما ابتعدنا عن التشريع تتفرق بنا السبل.
﴿ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ﴾ [الأنعام: 153].
" ورسول الله صلى الله عليه وسلم جلى بالحركة الفعلية منطوق النسبة الكلامية، حينما جلس بين أصحابه وخط خطا. وقال: هذا سبيل الله. ثم خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن يساره، ثم قال: هذه سبل وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليها، ثم قرأ هذه الآية: ﴿ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ﴾. "
ولذلك فكل أهل الحق، وأهل الخير كلما اقتربوا من المركز كان الالتقاء، وهذا الالتقاء يظل يقرب ويقرب إلى أن يتلاشى ويصير الكل إلى نقطة واحدة. وانظر إلى جلال الحق حينما يجعل الصراط المستقيم إليه في دينه، منسوبا إلى رسوله: ﴿ وأن هذا صراطي مستقيما ﴾ فالرسول يسير على هذا الصراط وهو لا يغش نفسه، والذي يفعله ويمشي فيه يأمركم بأن تمشوا فيه، وهو لم يأمركم أمرا وهو بنجوة وبعد عنه، ولو غشكم جميعا لا يغش نفسه، وهذا هو صراطه الذي يسير فيه. والسبيل هنا معروف أنه إلى الله فكأن سبيل الله هو طريق محمد صلى الله عليه وسلم. ونسب الفعل والحدث لله وحده ففي البداية قال: ﴿ وأن هذا صراطي مستقيما ﴾ ، ثم قال: " سبيله " فالصراط لم يعمله محمد لنفسه، ولكن أراده الله للمؤمنين جميعا، ورسول الله هو الذي يأخذ بأيديهم إليه. وحين ننظر إلى كل الخلافات التي تأتي بين الديانات بعضها مع بعض، بين اليهودية والنصرانية على سبيل المثال: