تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.54

لقد كان طلب الطرد لهؤلاء المستضعفين فيه إهاجة لكرامتهم ولمنزلتهم ولأنهم دون الأثرياء ووجهاء القوم، فيطمئنهم الحق بالسلام منه في الدنيا فيأمر رسوله: ﴿ فقل سلام عليكم ﴾. ونفهم من السلام أنه الخلو من الآفات النفسية والآفات الجسدية، فكأن الحق سبحانه أراد ان يعوضهم بالسلام القادم من الله ﴿ فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ ونرى كلمة: " الرحمة " تتردد كثيرا في القرآن الكريم، فهاهوذا الحق يقول في موقع آخر:

وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا

[الإسراء: 82]. ما الفارق إذن بين الشفاء والرحمة؟ الرحمة: لا يبتلي الله الإنسان بمرض، إنها الوقاية، أما الشفاء فهو أن يزيل الحق أي مرض أصاب الإنسان. وهذا هو البرء بعد العلاج. إذن ففي القرآن شفاء ورحمة، أي وقاية وعلاج. والذي يلتزم بمنهج القرآن لا تصيبه الداءات الاجتماعية والنفسية أبدا، والذي تغفل نفسه وتشرد منه يصاب بالداء الاجتماعي والنفسي، فإن عاد إلى منهج القرآن فهو يشفى من أي داء. وحين يأمر سبحانه رسوله أن يقول لهؤلاء الذين أهيجوا بطلب طردهم على الرغم من إيمانهم برسالة رسول الله: ﴿ سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ فهذا يعني أن ما حدث لهم في هذا الأمر هو آخر ابتلاءاتهم، وقد أخذوا بهذه الإهاجة سلاما دائما، وما دام الله قد كتب على نفسه الرحمة فكأنه وقاهم مما يصيب به غيرهم. وإذا سمعت قول الله: ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ فالكتابة تدل على التسجيل، ولا أحد يوجب على الله شيئا لأنه خالق الكون، وله في الكون طلاقة المشيئة، فلا أحد يكتب عليه شيئا ليلزمه به، ولكنه سبحانه هو الذي أوجب على نفسه الرحمة. ونأخذ كلمة " نفسه " في إطار

ليس كمثله شيء

[الشورى: 11]، ذلك أن النفس عند البشر هي الجسم والدم والحركة والحياة، ولكن ماذا عندما تأتي كلمة " النفس " منسوبة إلى الله؟ المراد - إذن - هو الذات الإلهية. وإن لم تأخذ مراد الكلمة بهذا المعنى فأنت تدخل إلى مخالفات كثيرة وقانا الله وإياك شرورها. وأؤكد هذا المعنى ليستقر في ذهن كل مؤمن، أن النفس بالنسبة للكائن الحي غيرها بالنسبة لله، ولا بد أن نأخذ أي شيء منسوب إلى الله في إطار

ليس كمثله شيء

[الشورى: 11] لأن النفس بالنسبة للكائن الحي عبارة عن امتزاج الروح بالمادة، والمادة مكونة من أبعاض. وإن لم تأخذ المراد من نفس الله على ضوء

ليس كمثله شيء

[الشورى: 11]، فأنت - والعياذ بالله - تنفي عن الحق " الأحدية ". ونعرف أن للحق سبحانه وتعالى " وصفين " يتحدان في المادة وفي الحروف: الأول هو " واحد ".

والآخر هو " أحد ". والسطحيون في الفهم يظنون أن " واحدا " معناها " أحد ". ونقول: لا، إن " واحدا " لها مدلول، و " أحدا " لها مدلول آخر. فعندما نقول: " إن الله واحد " أي لا يوجد فرد ثان من نوعه فليس له مثيل ولا شبيه ولا نظير. وعندما نقول: " إن الله أحد " أي أنه لا يتكون من أبعاض يحتاج بعضها إلى البعض الآخر لتكوين الكل، لأن الشيء قد يكون واحدا وليس أحدا. ولذلك نؤكد الفارق بين: " واحد " و " أحد " ، وحتى يعرفه كل مؤمن جيدا فهو - سبحانه - واحد لا يوجد فرد ثان يشاركه في وحدانيته، فهو واحد لا شريك له، وهو أحد جل وعلا أي ليس له أبعاض يحتاج بعضها إلى بعض. وسبق أن أوضحنا أن هناك شيئا اسمه: " كل " وشيئا آخر اسمه " كلي ". والكل هو المكون من أجزاء، كل جزء منها لا يؤدي الحقيقة، وإنما لا يؤدي الكل إلا بضميمة الأجزاء بعضها إلى بعض. ومثال ذلك الكرسي: إنه مكون من خشب ومسامير وغراء، فلا يقال للخشب كرسي، ولا يقال للمسامير كرسي، ولا يقال للغراء كرسي. ولكن يقال للشيء المصنوع من كل هذه الأشياء على هيئة محددة: إنه كرسي. إذن ف " الكل " له أجزاء تجتمع لتكونه. والكلي يمكن أن تطلق على الإنسان، ولكن في الجنس البشري هناك أفراد كثيرون له. وعلى ذلك فالحق سبحانه وتعالى ليس " كلا " أي لا أجزاء له لأنه أحد، وليس " كليا " لأنه لا شيء مثله فسبحانه وتعالى واحد أحد. ولهذا نفهم جميعا أن كل شيء منسوب إلى الله ينبغي أن يكون في إطار:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٥٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٥٨٤