فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض..
[الرعد: 17]. ولو لم يكن هناك مهيجات لهذه المسائل لدخل الدعوة العاطل والباطل ولاندس فينا من لا يعرف قيمة الإيمان لذلك يمحص الله الدعوة بالأعداء وبالقوم الذين يقفون أمامها حتى لا يكون في حملة الدعوة احد من ضعاف العقائد وضعاف الإيمان، وهم الذين يخرجون هربا من مسئوليات الإيمان ولا يبقى إلا أصحاب الرسالة الذين يخلصون الصدق مع الله وينقيهم الله بواسطة الأعداء. ولذلك قال:
لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا..
[التوبة: 47]. فمن الحكمة أنه - سبحانه - ثبط عزيمتهم وضعف رغبتهم في الانبعاث والخروج معكم.
ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين
[التوبة: 46]. وهنا يقول الحق: ﴿ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ﴾ وزخرف القول هو لون من الأداء له سماع، ومن يسمعونه قد لا يؤثر في قلوبهم ولا في نفوسهم، ومرة أخرى يسمعونه ويكون عندهم ميل وليس عندهم عقيدة ثابتة راسخة إلى هذا القول. وكيف يسلك هؤلاء الناس: ﴿ ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون... ﴾.
6.113
كأن من يؤمن بالآخرة لا يقرب منه الزخرف أبدا ولا يميل إليه. وإن زينت له معصية فإنه يتساءل: كم ستدوم لذة هذه المعصية؟ دقيقتين، ساعة، شهرا وماذا أفعل يوم القيامة الذي يكون فيه الإنسان إما إلى دخول الجنة وإما إلى دخول النار. إذن فمن يؤمن بالآخرة لا تتقبل أذنه ولا فؤاده هذا الزخرف من القول، ولا يتقبله إلا من لا يؤمن بالآخرة، وهو لا يعرف إلا الدنيا، فيقول لنفسه: فلتتمتع في الدنيا فقط، ولذلك لو استحضر كل مؤمن العقوبة على المعصية ما فعلها، وهو لا يفعلها فقط، ولذلك لو استحضر كل مؤمن العقوبة على المعصية ما فعلها، وهو لا يفعلها إلا حين يغفل عن العقوبة. وإذا كنا في هذه الدنيا نخاف من عقوبة بعضنا بعضا، وقدراتنا في العقوبة محدودة، فما بالنا بقدرة الرب القاهرة في العقوبة؟! ولذلك نجد الذين يجعلون الآخرة على ذكر من أنفسهم وبالهم إذا عرضت لهم أي معصية، يقارنونها بالعقاب، فلا يقتربون منها. ﴿ ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ﴾. والإصغاء هو ميل الأذن إلى المتكلم لأنك قد لا تسمع من يتكلم بغير إصغاء، وحين يسير الإنسان منا في الطريق فهو يسمع الكثير، لكن أذنه لا تتوقف عند كل ما يسمع، بل قد تقف الأذن عندما يظن الإنسان أنه كلام مهم. ولذلك يسمونه التسمع لا السمع، وهذا هو الإصغاء. ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: من تسمع غانية - أي امرأة تغني بخلاعة - ولم يقل: " من سمع " ، والإنسان منا قد يسير ويذهب إلى أي مكان والمذياع يذيع الأغاني، ويسمعها الإنسان، وآلة إدراك السمع منطقة وليست مفتوحة فهو لا يتنصت، وآلة إدراك الانطباقية أو الانفتاحية مثل العين فالعين لا ترى وهي مغمضة، إنها ترى وهي مفتوحة، والعين تغمض بالجفون أما الأذن فليس لها جفون يقول لها: لا تسمعي هذه، وهذه اسمعيها. إذن فالسمع ليس للإنسان فيه اختيار، لكن التسمع هو الذي له فيه اختيار. ﴿ ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ﴾ [الأنعام: 113]. كأن فيه شيئا ينبع طلب السمع فيه من الفؤاد، أي يوافق ما في الأعماق، وشيئا آخر يمر عليه الإنسان مر الكرام غير ملتفت إليه. والأفئدة هي القلوب، صحيح أن الآذان هي التي تصغي، لكن القلوب قد تتسمع ما يقال، وكأن النفس مستعدة لهذه العملية لأنها لا تؤمن بأن هناك آخرة وعندها استعداد لأن تأخذ لذة الدنيا دون التفات للآخرة. ولذلك ينقل الحق سبحانه الإصغاء من الأذن إلى الفؤاد وهذا إدراك. { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة.