" يستجاب لأحدكم مالم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي ".
﴿ وهو على كل شيء وكيل ﴾ أي سواء أكان هذا الشيء مختارا أم غير مختار لأن المختار قد يختار شرا، ولأن الله وكيل عليه يقول له: لا، وغير المكلف ولا اختيار له، مقهور لإرادة الله مثل النار، فهي مأمورة أن تحرق، لكنه أمرها ألا تحرق سيدنا إبراهيم وتبقيه سليما. وتأتي الآية التالية لتؤكد دواعي عظمته سبحانه فيقول: ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك... ﴾.
6.103
ولماذا لا تدركه الأبصار؟ لأن البصر آلة إدراك لها قانونها بأن ينعكس الشعاع من المرئي إلى الرائي ويحدده، فلو أن الأبصار تدركه لحددته، وأصبح من يراه قادرا عليه، ولصار مقدورا لكم لأنه دخل في إدارككم. فلو أنك أدركت الله لكان الله مقدورا لبصرك، والقادر لا ينقلب مقدورا ابدا، إذن فمن عظمته أنه لا يدرك: أنت قد ترى الشمس، ولكن أتدعي أنك أدركتها؟! لا، لأن الإدراك معناه الإحاطة، وحين يقال " أدركه " أي لم يفلت منه، ولذلك عندما سار قوم فرعون وراء موسى وقومه قال أصحاب موسى:
إنا لمدركون
[الشعراء: 61]. أي لا فائدة لأن البحر أمامنا، إن تقدمنا نغرق، وإن تأخرنا أهلكونا وقتلونا. إذن " مدرك " يعني محاطا به. فإذا أحاطت الأبصار بالله انقلب البصر قادرا، وصار الله مقدورا عليه. والقادر بذاته - كما قلنا - لا ينقلب مقدورا لخلقه أبدا. ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ﴾ [الأنعام: 103]. وكل ما عدا الله محتاج إلى الله لبقاء كينونته، وكينونته سبحانه ليست عند أحد لذلك ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ﴾ لأنه إن قدر على الأبصار كلها فهو قادر بذاته، والباقي مقدور له لأنه مخلوق له، ومادام مخلوقا له يكون مقدورا عليه ولم يطرأ على المخلوقين شيء جديد يجعلهم قادرين بذواتهم ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ﴾. وقد وقف العلماء وقفة كبيرة واختلفوا: هل الإنسان يرى ربه أو لا يراه سواء في الدنيا أم في الآخرة؟ بعضهم قال: لا أحد يرى الله بنص الآية: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ ونقول: لكن هناك آيات في القرآن تقول:
وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة
[القيامة: 22-23]. و " ناظرة " تضمن الرؤية وتفيدها، وأيضا فالله يعاقب من كفر به بأن يحتجب عنه لأنه القائل:
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
[المطففين: 15]. فالكافرون محجوبون عن رؤية الله عقابا لهم. ولو اشتركنا معهم وحجبنا كما حجبوا فما ميزتنا كمؤمنين؟، إذن فالعلماء لم ينتبهوا إلى أن هناك فرقا بين الأداء القرآني وما يقولون؟ وحين يحتج عالم منهم بأن رؤية الله غير ممكنة لأن ربنا سبحانه قال لموسى:
لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني
[الأعراف: 143]. فلماذا لم يلتفت هذا العالم إلى قول الحق:
فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا
[الأعراف: 143]. إذن فالله يتجلى لبعض خلقه، أما أن يراه الخلق في الدنيا فلا لأن تكويننا غير مؤهل لأن يرى الحق، بدليل أن الأصلب والأقوى منا وهو الجبل حينما تجلى ربه عليه اندك. فلما اندك الجبل خر موسى صعقا، فإذا كان موسى قد خر صعقا لرؤية المتجلى عليه وهو الجبل فكيف لو رآه؟! إذن فهو غير معد له.
لقد اختلف العلماء عند هذه الآية، وتجلى خلافهم إلى أبعد حد فمنهم مجيز للرؤية، ومنهم منكر لها، وأرى أن خلافهم في غير محل نزاع لأنهم تكلموا عن الرؤية، والكلام هنا عن نفي الإدراك، والإدراك إحاطة والرؤية تكون إجمالا، إنما الإحاطة ليست ممكنة، وعلى تقدير أن الرؤية والإدراك متحدان في المفهوم نقول: لماذا يكون الخلاف في أمر الآخرة؟ لو أن الخلاف في أمر الرؤية في الدنيا لكان هذا كلاما جميلا، ولكن الخلاف جعلتموه في الآخرة. إن آيات القرآن صريحة في أن رؤية الحق سبحانه وتعالى من نعم الله على المؤمنين، وهي زيادة في الحسنى عليهم، وحجبه سبحانه عن الكفار لون من العقوبة لهم ونقول - أيضا -: لماذا لا تقولون إن الإدراك سيوجد في الآخرة بكيفية ليست موجودة في دنيانا؟ لأننا في هذه الدنيا معدون إعداد أسباب - وفي الآخرة سنكون معدين إعدادا لغير أسباب. أنت هنا إذا أحببت أن تشرب تطلب الماء أو تذهب للماء وتشرب، وحين تريد أن تأكل الشيء الفلاني، تقول لأهل البيت: اصنعوا لي كذا أو تشتري ما تريده، إنما هناك في الآخرة بمجرد أن يخطر ببالك ما تشتهيه تجده أمامك، وهذا قانون جديد لا ارتباط له بقانون الدنيا، فلماذا لا يكون في تكويننا في الآخرة أيضا قانون يمكن به أن نرى الله وفي إطار ليس كمثله شيء؟ إن في الآخرة قضايا يتفق الجميع على انها تخالف قوانين الدنيا ونواميس العالم المعاصر لنا الآن في الأكل والشرب، والتخلص من الفضلات، لكن في الآخرة سنأكل ونشرب ولكن لن توجد فضلات لأنك أنت الآن تطهى وتهضم، وفي الهضم أنت تأخذ بعض الطعام ويبقى منه فضلات لابد أن تخرج، لكن الطهي والهضم في الآخرة ب " كن " وليس له فضلات، إنه طعام بقدرة القادر، في الجنة كل ما تريده ستناله دون أن ينفد، وفي الدنيا أي شيء يؤخذ منه ينقص، أما في الآخرة فلا شيء ينقص لأن له مددا من القيومية. ويعقب الحق سبحانه وتعالى بعد القضيتين: ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ﴾ فيقول: ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ ولطيف تناسب ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ و " خبير " يناسب ﴿ وهو يدرك الأبصار ﴾ ولطيف لها معنى خاص، فالشيء اللطيف يستعمل في دقيق التكوين - ولله المثل الأعلى - إن الميكروب لم نعرفه إلا مؤخرا لأنه بلغ من اللطف والدقة بحيث لا تدركه العين، لكن عندما اخترعنا الميكروسكوب رأيناه، وإن دق الميكروب عن ذلك فلن نراه، وقد اكتشفنا " الفيروس " ونحاول معرفة المزيد عن خصائصه، إذن كلما دق الشيء يلطف ولا يمكن أن نراه، فالشيء إذا لطف شرف وعلا ونقول - ولله المثل الأعلى -: فلان لطيف المعشر، والحق سبحانه لطيف في ذاته ويلطف بعباده.