6.26
والكافر من هؤلاء إنما ينأى عن مطلوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يريد أن يهتدي، ويمعن في طغيانه فينهى غيره عن الإيمان، فكأنه ارتكب جريمتين: جريمة كفره، وجريمة نهي غيره عن الإيمان. لقد كانت قريش على ثقة من أن الذي يسمع القرآن يهتدي به، لذلك أوصى بعضهم بعضا ألا يسمعوا القرآن، وإن سمعوه فعليهم أن يحرفوا فيه أو أن يصنعوا ضجيجا يحول بين السامع للقرآن وتدبره.
وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون
[فصلت: 26]. إنهم واثقون من أن القرآن يقهرهم بالحجة ويفحمهم بالبينات، وأنهم لو استمعوا إليه لوجدوا فيه حلاوة وطلاوة تستل من قلوبهم الجحود والنكران. وكأنهم بذلك يشهدون أن للقرآن أثرا في الفطرة الطبيعية للإنسان، وهم أصحاب الملكة في البلاغة العربية. ومع ذلك ظل الكافرون على عنادهم بالرغم من عشقهم للأسلوب والبيان والأداء. ولم يكتفوا بضلال أنفسهم، بل أرادوا إضلال غيرهم، فكأنهم يحملون بذلك أوزارهم وأوزار من يضلونهم، ولم يؤثر ذلك على مجرى الدعوة ولا على البلاغ الإيماني من محمد عليه الصلاة والسلام ذلك أن الحق ينصره على الرغم من كل هذا فهو سبحانه وتعالى القائل:
ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون
[الصافات: 171-173]. وحين يقول الحق سبحانه: ﴿ وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ﴾ [الأنعام: 26]. نعرف أن المقصود بذلك القول هم المعارضون لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد عارضوها لأنها ستسلبهم سلطتهم الزمنية من علو، وجبروت، واستخدام للضعفاء. وذلك ما جعلهم يقفون من الدعوة موقف النكران لها والكفران بها. وما داموا قد وقفوا من الدعوة هذا الموقف، فلم يكن من حظهم الإيمان، ولأنهم نأوا وبعدوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد خسروا، أما غيرهم فلم ينأى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل إنه أوى إلى الله فآواه الله. إن هؤلاء الجاحدين المنكرين لدعوة رسول الله وقفوا أمام دعوته وصدوا الناس عنها ونهوهم عن اتباعها لأن هذه الدعوة ستسلبهم سلطتهم الزمنية من علو وجبروت واستخدام الضعفاء وتسخيرهم في خدمتهم وبسط سلطانهم عليهم. هذا - أولا - هو الذي دفعهم إلى منع غيرهم ونهيهم عن اتباع الإسلام، ثم هم - ثانيا - ينأون ويبتعدون عن اتباع الرسول، - إذن - فمن مصلحتهم - أولا - أن ينهوا غيرهم قبل أن ينأوا هم لأنه لو آمن الناس برسول الله وبقوا هم وحدهم على الكفر أيستفيدون من هذه العملية؟ لا يستفيدون - إذن - فحرصهم - أولا - كان على ألا يؤمن أحد برسول الله لتبقى لهم سلطتهم.
وجاء الأداء القرآني معبرا عن أدق تفاصيل هذه الحالة فقال: ﴿ وهم ينهون عنه وينأون عنه ﴾ فالبداية كانت نهي الآخرين عن الإيمان برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك ابتعادهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار حظهم أن يظلوا على كفرهم فكان الخسران من نصيبهم، بينما آمن غيرهم من الناس. وهكذا نرى أن الأداء القرآني جاء معبرا دائما عن الحالة النفسية أصدق تعبير، فقول الحق: ﴿ وهم ينهون عنه ﴾ قول منطقي يعبر عن موقف المعارضين لرسول الله أما قوله الحق: ﴿ وينأون عنه ﴾ فهذا تصوير لما فعلوه في أنفسهم بعد أن منعوا غيرهم من اتباع الدعوة المحمدية والرسالة الخاتمة. فهم بذلك ارتكبوا ذنبين: الأول: إضلال الغير، والثاني: ضلال نفوسهم. وبذلك ينطبق عليهم قول الحق سبحانه:
ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم
[النحل: 25]. ولا يقولن أحد: إن هذه الآية تناقض قول الحق سبحانه:
ولا تزر وازرة وزر أخرى
[الإسراء: 15]. ذلك لأن الوزرين: وزرهم، ووزر إضلالهم لغيرهم من فعلهم. ويتابع الحق: ﴿ وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ﴾ ونرى أن الذي يقف أمام دعوة الحق والخير لينكرها ويبطلها ويعارضها ويحاربها إنما يقصد من ذلك خير نفسه وكسب الدنيا وأخذها لجانبه، ولكنهم أيضا لن يصلوا إلى ذلك، لماذا؟ لأن الله غالب على أمره: