تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله..

[الكهف: 23-24]. لأن فعل ذلك غدا والإتيان به وإحداثه هو أمر يتعلق بالمستقبل الذي لا نتحكم فيه، فاحم نفسك وقل: " إن شاء الله " ، فإن لم يحدث يمكنك أن تقول: لم يشأ ربنا حدوث ما وعدت به، وبذلك يحمي الإنسان نفسه من أن يكون كاذبا ويجعل نفسه صادقا فلا يتكلم إلا على وفق ما عنده من قوانين الفعل وعدم الفعل لأنه عندما تقول: " أفعل ذلك غدا ".

ماذا ستفعل غدا وأنت لا تضمن نفسك وحياتك وظروفك؟! لكن الله إذا قال: " سأفعل " فله طلاقة القدرة. ﴿ وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ﴾ [الأنعام: 115]. وما دامت الكلمات ستتحقق والحكم سيصدر فهذا دليل على أنه سبحانه سميع لما قالوه في عداوتهم، وعليهم بما دبروه من مكائدهم، وهو القائل من قبل:

وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم..

[الأنعام: 121]. أي ليعلموهم بخفاء، فإن كان كلامهم ظاهرا فهو مسموع، وإن كان بخفاء فهو معلوم. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض... ﴾.

6.116

و ﴿ من في الأرض ﴾ المقصود بهم المكلفون لأنهم هم من يتميزون بالاختيار ولهم أوامر ونواه، فما دون الإنسان لا أمر له، و " أكثر " لا يقابلها بالضرورة كلمة " قليل " أو " أقل " ، وما دام القول هو: " أكثر ". فقد يكون الباقون كثيرا أيضا، وأما كثير فإنها، تعطي له كميته في ذاته وليست منسوبة إلى غيره، ولذلك كنا نسمع من يقول: مكتوب على محطة مصر أو على " المطار " أو على " الميناء " ، يا داخل مصر منك كثير، أي إن كنت رجلا طيبا فستجد مثلك الكثير، وإن كنت شريرا فستجد مثلك الكثير أيضا. ويقول الحق:

ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب..

[الحج: 18]. فكل الكائنات مقهورة مسخرة، وعند الناس انقسم الأمر لأن لهم اختيارا، فراح أناس للطاعة وذهب أناس للمعصية، فلم يقل الحق: والناس. بل قال " وكثير من الناس " ، ولم يقل الحق: وقليل حق عليهم العذاب، لكنه قال: ﴿ وكثير حق عليه العذاب ﴾ فهؤلاء كثير وهؤلاء كثير، وإن نظرت إليهم في ذاتهم فهم كثير، والآخرون أيضا إذا نظرت إليهم تجدهم كثيرا. ولماذا يقول الحق: ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ﴾؟ " الطاعة " - كما نعرف - استجابة للأمر في " افعل " ، والنهي في " لا تفعل " إذا قال الحق للإنسان افعل كذا فالإنسان صالح لأن يفعل، وأن لا يفعل، وإن قال " لا تفعل " فالإنسان صالح أن يفعل، وأن لا يفعل، وإن كان هناك شيء لا تقدر عليه فلن يقول لك: افعله. والإنسان عادة حين يؤمر أو ينهي إنما يؤمر وينهي لمصلحته، فإن لم يوجد أمام مصلحة معارض من منهج إلهي فهذا من مصلحته أيضا لأن الله أجاز له حرية الفعل والترك. ويوضح الحق: من رحمتي أن جعلت لكم تشريعا لأننا لو تركنا الناس إلى أهوائهم فسيأمر كل واحد من الذين لهم السيطرة على الناس بما يوافق هواه، وسينهي كل واحد من الناس بما يخالف هواه لذلك نعصم هذا الأمر بالمنهج. حتى لا يتضارب الخلق ولا يتعاكس هواك مع هوى أخيك. ومن المصلحة أن يوجد مطاع واحد لا هوى له، ويوجد منهج يقول للجميع " افعلوا كذا " و " لا تفعلوا كذا " وبذلك يأتي الاستطراق لنفهم جميعا. ولذلك يقول الحق: ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله.. ﴾ [الأنعام: 116]. فهناك أناس مؤمنون وهم أصحاب الفطرة السليمة بطبيعتهم لأن الخير هو الفطرة في الإنسان، وقد جاء التشريع لينمي في صاحب الفطرة السليمة فطرته أو يؤكدها له، ويعدل في صاحب النزعة السيئة ليعود به إلى الفطرة الحسنة.

والذين يضلون عن سبيل الله ماذا يتبعون؟ يقول الحق: ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾. كل واحد منهم يظن أن هذا الضلال ينفعه الآن، ويغيب عنه ما يجر عليه من الوبال فيما بعد ذلك. و " الظن " - كما نعلم - هو إدراك الطرف الراجح ويقابله الوهم وهو إدراك الطرف المرجوح والظن هنا، هو ما يرجحه الهوى: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ [الأنعام: 116]. و " إن " - كما نعرف - تأتي مرة جازمة: إن تفعل كذا تجد كذا، وتأتي مرة نافية، مثل قوله الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦٨٤