تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.94

وقوله الحق: ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ أي أن كلا منكم يأتي إلى الله فردا عما كان له في دنياه من مال أو ولد أو أتباع، جاء كل منهم لله وليس معه الأصنام التي أدعى أنها شركاء لله، واتخذهم شفعاء له. و " فرادى " جمع " فردان " أو " فريد " مثل " سكارى " جمع " سكران " و " أسارى " جمع " أسير " ، إنهم يأتون إلى الله زمرا وجماعات، ولكن كل منهم جاء منفردا عما كان له في الدنيا من مال وأهل وولد وأتباع، بدليل أنه قال: ﴿ وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ﴾. و " خوله " أي جعل له خدما من الأتباع ومن المريدين، ومن المقدر والمضيق عليهم في الرزق ومن العائشين في نعمته، جاء كل منهم منفردا عما له في الدنيا كما خلقكم الله أول مرة، أي كما دخلتم في الدنيا! ﴿ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ﴾ [الأنعام: 94]. وقوله الحق: " جئتمونا " أي كأن الإنسان الذي أذنب يكاد يقدم نفسه للعذاب معترفا أنه يستحق هذا العذاب إقرارا منه بالذنب، فكأن الإنسان يبلغ منه الحزن على ما فعله والتوبيخ لنفسه التي انصرفت عن الحق فيقول لنفسه: أنت تستحقين العذاب. ﴿ وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعآءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركآء لقد تقطع بينكم ﴾ [الأنعام: 94]. " البين " هو ما يفصل أو ما يصل. فعندما نجد اثنين قاعدين وبينهما " بين " فهذا البين فاصل وواصل. فإن اعتبرته واصلا، أقول: تقطع هذا، أي وقع التقطع بينكما، وانفصمت الروابط بينكم وتشتت جمعكم، وإن كان البين فاصلا فقد وصلوا أنفسهم بالأصنام. وماذا كانت صلة هؤلاء بالأصنام التي يشركونها في العبادة؟ كانوا يقدمون لها القرابين، وغير ذلك. وهذه الأصنام وكل من جعلوه شريكا مع الله سيفر منهم يوم القيامة. وهكذا يتحقق قوله الحق: ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾. ويواصل سبحانه: ﴿ وضل عنكم ما كنتم تزعمون ﴾ ، و " ضل " أي تاه وغاب، ما كنتم تبحثون عنهم فلا تجدونهم مصداقا لقوله الحق:

إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا

[البقرة: 166]. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ إن الله فالق الحب... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦٤٥