ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم..
[المجادلة: 2]. أي: ما أمهاتهم ف " إن " هنا نافية. وقوله الحق: ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ أي ما يتبعون إلا الظن. هم إما أن يتبعوا الظن وإما أن يخرصوا. فالخارص هو من يتكلم بغير الحقيقة، بل يخمن تخمينا، كأن ينظر إنسان إلى آخر في سوق الغلال ويسأله: كم يبلغ مقدار هذا الكوم من القمح؟. فيرد: حوالي عشرة أرادب أو اثنى عشر أردبا، وهو يخمن تخمينا بلا دليل يقيني أو بلا مقاييس ثابتة، أو يقول كلاما ليس له معنى دقيق. فإذا اتبعت الناس فسوف يضلونك. لأنهم لا يملكون دليلا علميا، ولا حقا يقينيا، بل يتبعون الظن إن كان الأمر راجحا، ويخرصون ويخمنون حتى ولو كان الأمر مرجوحا. ويقول سبحانه بعد ذلك: ﴿ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله.. ﴾.
6.117
وساعة ترى " هو " هذه فاعرف أنها ترد وتجيب على ما يمكن أن يقال، فهناك من يقول: أنا سوف أرى تصرفات فلان، ولأنك من البشر فمهما علمت عنه فأنت محدود الإدراك لأنك سترى تصرفات فقط، ولن ترى انفعالات قلبه وتقلبات عقله، ولكن الحق سبحانه وتعالى هو الأعلم لأن الميزان كله عنده، إنه يدرك الظاهر والباطن، وهو سبحانه يقول هنا: " أعلم " وهناك " عليم " ، و " العليم " هو من يرى ظاهر الأمر ويحيط به، لا الخافي منه، أما الذي يرى الظاهر والخفي فهو أعلم. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل كثيرة يعامل الناس بعلانيتهم، ويترك سرائرهم إلى الله.
" وعندما قتل مسلم رجلا أعلن الإسلام، سأله صلى الله عليه وسلم لماذا؟، قال: لأنه أعلن الإسلام نفاقا. فقال صلى الله عليه وسلم: أشققت عن قلبه؟! "
وسبحانه وتعالى " أعلم " لأنه يعلم الظاهر والباطن، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.