6.147
وكان مقتضى أنهم يكذبونك فيما أخبرت به عن الله، أن يجعل الله لهم بالعذاب لكن الحق لم يعجل لهم بالعذاب لأنه ذو رحمة واسعة. ﴿ فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة.. ﴾ [الأنعام: 147] ولكن إياكم أن تطمعوا في الرحمة الدائمة إنها رحمة تأجيل فقط. ولن يفوتكم عذابه، وهنا يحننهم ايضا فيقول سبحانه: ﴿ ربكم ذو رحمة واسعة ﴾ وكأنه يقول لهم: راجعوا أنفسكم واستحوا من الله ولا يغرنكم انه رب، خلق من عدم وأمد من عدم، وتولى التربية، لكنه لن يرد ويمنع بأسه وعذابه عن القوم المجرمين منكم. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿ سيقول الذين أشركوا... ﴾.
6.148
وكلما تقرأ آية فيها " سيقول " فاعلم أنها تنطوي على سر إعجازي للقرآن، والذي يعطي هذا السر هو الخصم حتى تعرف كيف يؤدي عدو الله الدليل على صدق الله، مما يدل على أنه في غفلة. ومن قبل قال الحق سبحانه:
سيقول السفهآء من الناس..
[البقرة: 142]. و " سيقول " معناها أنهم لم يقولوا الآن، ويخبر القرآن أنهم سيقولون، ولم يخبئ ويستر القرآن هذه الآية، بل قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآنا يقرأ ويصلى به. ولو أن عندهم شيئا من الفكر لكانوا يسترون القول حتى يظهروا المتكلم بالقرآن بمظهر أنه لا يقول الكلام الصحيح، أو على الأقل يقولون إنه يقول: " سيقول السفهاء " ، ونحن لسنا بسفهاء فلا نقول هذا القول. لكنهم يقولون القول السفيه برغم أن الآية قد سبقتهم بالتنبؤ بما سوف يقولون لأن الذي أخبر هو الله، ولا يمكن أن يجيء احتياط من خلق الله ليستدرك به على صدق الله. هم سمعوا الكلمة، ومع ذلك لم يسكتوا بل سبقتهم ألسنتهم إليها ليؤيدوا القرآن. وكل مسرف على نفسه في عدم اتباع منهج الله يقول: إن ربنا هو الذي يهدي وهو الذي يضل، ويقول ذلك بتبجح ووقاحة لتبرير ما يفعل من سفه. وسيظل المسرفون على أنفسهم وكذلك المشركون يقولون ذلك وسيحاولون تحليل ما حرم الله. وقد جاء المشركون بقضيتين: قضية في العقيدة، وقضية في التكليف قالوا في قضية العقيدة: ﴿ لو شآء الله مآ أشركنا ﴾ ، وكأنهم أشركوا بمشيئة الله. وجاءوا إلى ما حرموا من حلال الله وقالوا إنهم قد فعلوا ذلك بمشيئة الله أيضا ليوجدوا لأنفسهم مبررا، وهذا القول ليس قضية عقلية لأنها لو كانت وقفة عقلية - لكانت في الملحظين: الخير والشر، فالواحد منهم يقول: كتب ربنا علينا - والعياذ بالله - الشر، لماذا يعذبني إذن؟! ولا يقول هذ الإنسان " وكتب الله لي الخير ". هذا ما كان يفرضه ويقتضيه المنطق لكنهم تحدثوا عن الشر وسكتوا عما يعطى لهم من خير. وقولهم ﴿ لو شآء الله مآ أشركنا ﴾ صحيح المعنى لأنه سبحانه لو شاء أن يجعل الناس كلهم مهديين لفعل، لكنه شاء أن يوجد لنا اختيارا، وفي إطار هذا الاختيار لا يخرج أمر عن مشيئته الكونية. بل يخرج الكفر والشر عن مراده الشرعي. وعلمنا من قبل أن هناك فرقا بين الكونية والشرعية فكفر الكافر ليس غصبا عن الله أو قهرا عنه سبحانه، إنما حصل وحدث بما أعطاه الله لكل إنسان من اختيار، فالإنسان صالح للاختيار بين البديلات:
فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر...
[الكهف: 29]. فالإنسان قادر على توجيه الطاقة الموهوبة له من الله الصالحة للخير أو الشر.
إذن فاختيار الإنسان إما ان يدخله إلى الإيمان وإما أن يتجه به إلى الكفر، لذلك يقول الحق عن الذين يدعون أن كفرهم كان بمشيئة الله: ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا.. ﴾ [الأنعام: 148]. والسابقون لهم قالوا ذلك وفعلوا مثل ما يفعل هؤلاء من التكذيب وجاءهم بأس وعذاب من الله شديد، ولذلك يأمر الحق محمدا صلى الله عليه وسلم: ﴿ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ﴾ [ الأنعام: 148]. ويسألهم محمد صلى الله عليه وسلم عن علم يؤكدون به صحة ما يدعونه.. ويزعمونه أي هل عندكم بلاغ من الله، والحق أنهم لا علم لديهم ولا دليل، إنهم يتبعون الظن، ويخرصون، أي أن كلامهم غير واضح الدلالة على المراد منه، إنه تخمين وظن وكذب. لذلك يقول سبحانه: ﴿ قل فلله الحجة... ﴾.