6.75
أي كما اهتدى إبراهيم إلى أن عبادة الأصنام ضلال مبين فسيريه الله ملكوت السماوات والأرض ما دام قد اهتدى إلى أن هناك إلها حقا، فالإله الحق يبين له أسرار الكون. والملكوت صيغة المبالغة في الملك، مثلها مثل " رحموت ". وهي صيغة مبالغة من الرحمة، والملكوت تعطينا فهم الحقائق غير المشهودة، فالذي يمشي ورآء الأسباب المشهودة له يأخذ الملك لأن ما يشهده ويحسه هو أمامه، والملكوت هو ما يغيب عنه، إذن ففيه " ملك " ، وفيه " ملكوت " ، الملك هو ما تشاهده أمامك، والملكوت هو ما وراء هذا الملك. والمثال هو ما قاله سيدنا إبراهيم حينما تكلم على الشركاء لله قال سبحانه:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين
[الشعراء: 77-81] ولنلحظ هنا أن الأساليب مختلفة، فهو يقول:
الذي خلقني
[الشعراء: 78] ولم يقل " الذي هو خلقني " ، ثم قال
فهو يهدين
[الشعراء: 78] لأن أحدا لم يدع أبدا خلق الإنسان، وهي قضية مسلمة لله ولا تحتاج إلى تأكيد، أما هداية الناس فهناك من يدعي أنه يهدي الناس. وما يدعى من البشر يؤكد ب " هو " وما لا يدعى من البشر كالخلق والإماتة والإحياء لا يؤتى فيه بكلمة هو. ويتابع سيدنا إبراهيم:
والذي هو يطعمني ويسقين
[الشعراء: 79] وهنا قفز سيدنا إبراهيم من كل الأسباب والحلقات الظاهرية إلى الحقيقة، وعرف الغيب
وإذا مرضت فهو يشفين
[الشعراء: 80] وهو بذلك يميز بين الوسيلة للشفاء وهم الأطباء المعالجون والشافي الأعظم وهو الله - تبارك وتعالى - لأن الناس قد تفتن بالأسباب وتقول: إن الطبيب هو من يشفي، ولذلك ينتقل سيدنا إبراهيم من ظواهر الأسباب إلى بواطن الأمور، وينتقل من ظواهر الملك إلى باطن الملكوت حتى نعرف أن الطبيب يعالج ولكنه لا يشفي، بدليل أننا كثيرا ما رأينا من يذهب للطبيب ويعطيه الطبيب حقنة فيموت المريض، وبذلك يصير الطبيب في مثل هذا الموقف من وسائل الموت:
سبحان من يرث الطبيب وطبه
ويرى المريض مصارع الآسين
إذن، ﴿ فهو يشفين ﴾ أي أن الشفاء من الله والعلاج من الطبيب. وبذلك جاء سيدنا إبراهيم بالأشياء التي يمكن أن يفتن الإنسان في أسبابها وأكدها ب " هو ". وحين ننظر إلى إبراهيم عليه السلام في قصة العقيدة نجده قد أخذ سلطانا كبيرا يعترف به جميع الأنبياء لأن ربنا قال فيه:
وإبراهيم الذي وفى
[النجم: 37]. وكذلك قال سبحانه:
وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما
[البقرة: 124]. أي أنك يا إبراهيم مأمون أن تكون إماما للناس، وببشرية إبراهيم وبظاهر الملك.
سأل الله أن تكون الإمامة في ذريته، وقال:
ومن ذريتي
[البقرة: 124]. أي اجعل من ذريتي أئمة، فيقول الحق:
لا ينال عهدي الظالمين
[البقرة: 124]. لأن مسألة الإمامة ليست وراثة دم، ولا يأخذها إلا من يستحقها. وقلنا: إن سيدنا إبراهيم جاء بهاجر وابنه إسماعيل منها وأسكنهما بواد غير ذي زرع عند البيت المحرم، ويقول القرآن على لسانه:
ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون
[إبراهيم: 37]. أي أن سيدنا إبراهيم عليه السلام وعى مسألة تعليم الحق له لأسرار الملكوت، وظل في ذهن سيدنا إبراهيم، أن الحق سبحانه - لا يعطي الإمامة من ظلم ثم أوضح له أنه يجب أن تفرق بين خلافة النبوة، وعطاء الربوبية في الطعام. ويتمثل ذلك في دعاء سيدنا إبراهيم:
وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر
[البقرة: 126]. فكأن إبراهيم حين طلب الرزق من الثمرات لمن آمن بالله واليوم الآخر لم يفرق في دعائه بين عهد النبوة والإمامة، ومطلوبات الحياة، فيقول له الحق: ﴿ ومن كفر... ﴾. أي أنه سبحانه سيرزق بالطعام من آمن ومن كفر لأن الطعام ومقومات الحياة من عطاءات الربوبية، أما المناهج فهي من عطاءات الألوهية، والله سبحانه وتعالى رب لجميع الناس لأنه هو الذي استدعاهم جميعا: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، وما دام هو الذي استدعاهم إلى الوجود فهو لا يمنعهم الرزق. ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ﴾ [الأنعام: 75]. وكل من يسير على قدم إبراهيم عليه السلام يرتبط ويتعلق بذات الحق سبحانه وتعالى، وفيه فرق بين الارتباط والتعلق بالذات، والارتباط والتعلق بالصفات والذي يعبد الله لأنه رزاق، ولأنه مغن هو من يرتبط بالصفات. أما من يرتبط بالله لأنه إله فقط وإن أفقره فهو من يرتبط بالذاب، وحين صفى سيدنا إبراهيم نفسه من كل العقائد السابقة أوضح له الحق: أنت مأمون على أسرار كوني، وأعطاه الحق الكثير كما يعطي لكل من يخلص في الارتباط بخالقه يعطيه ربنا عطاءات من أسرار كونه. ويضرب الحق سبحانه لنا كثيرا من المثل في القرآن فيقول: