تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله

[الإسراء: 1]. فقد أخلص صلى الله عليه وسلم العبودية لله، فأخذ من فيوضات الحق بما يناسب عبوديته. والحق سبحانه يوضح لكل عبد: نم ملء جفنيك فأنا لا تأخذني سنة ولا نوم، وأنا قيوم، وإن احتجت مني إلى شيء ما فادعني وسأمد لك يد العون بما يناسبك، فهل في هذه العبودية لله شيء غير العزة؟! ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة... ﴾.

6.74

والحق سبحانه وتعالى يعطي له صلى الله عليه وسلم ما يسليه ويصبره على مشقات الدعوة لأن الدعوة للإسلام في أوله أرهقت رسول الله وأصحاب رسول الله، فيريد سبحانه أن يعطيهم مثلا حدثت للرسل، وهنا يأتي الحق بخبر عن أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة ﴾ [الأنعام: 74]. وساعة أن تسمع " إذ " فافهم أن " إذ " ظرف، أي واذكر جيدا الوقت الذي قال فيه إبراهيم لأبيه آزر " أتتخذ أصناما آلهة "؟ وما دمت تذكر هذه، ففي التذكرة تسلية لك عما يصيبك في أمر الدعوة. وهنا وقف العلماء وقفة طويلة، وتساءل بعضهم: هل آزر هو أبو إبراهيم، أو أن والده هو تارخ؟ وقلت من قبل: إن الأبوة تمثل ما هو أصل للفرد فالأب، والجد، وجد الجد أب، وأطلقت الأبوة على المساوي للأب، مثل العم. وجاء مثل هذا في القرآن حين قال الحق سبحانه:

أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك

[البقرة: 133]. وآباء هنا جمع، وإذا ما عددنا هؤلاء الآباء نجدهم: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، والكلام من يعقوب، وأبوه إسحاق، وإسحاق بن إبراهيم، وبرغم ذلك جاء سيدنا إسماعيل وسط هؤلاء الآباء، فكأنك إن وزعتها قلت: " إبراهيم أب، ويبقى اثنان: هما إسماعيل وإسحاق. وإسماعيل هو أخ لإسحاق، كأن القرآن نطق بأن العلم يطلق عليه أب ". وأقول ذلك لأضفي مسألة وقع فيها اللغط الكثير فالبعض من العلماء قال: هل كان آزر أبا لإبراهيم والحديث الشريف يقول:

" خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي ولم يصبني من سفاح الجاهلية شيء ".

فكأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه من سلسلة نسب موحد لا يمكن أن يكون للشرك فيه مجال، وآزر كان مشركا، وما دام الحق يقول في آية أخرى:

إنما المشركون نجس

[التوبة: 28]. فلو أن آزر الوالد الحقيقي لإبراهيم لكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من ذريته. وأرى أنه عمه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:

" ما زلت أتنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات "

، وهو قول يدل على أن نسبة الشريف مطهر من الشرك من جهة الآباء ومن جهة الأمهات، إذن فلا يصح أن نعتقد أن أبا إبراهيم هو آزر لأنه كان على هذا الوضع مشركا، لكن كيف نفسر قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ﴾؟. نقول: إننا نأخذ اللغة، ونأخذ استعمالات القرآن في معنى الأبوة. والقرآن صريح في أن الأبوة كما تطلق على الوالد الحقيقي الذي ينحدر الولد من صلبه تطلق كذلك على أخي الوالد أو عمه.

والدليل على ذلك أن القرآن الذي قال: ﴿ لأبيه آزر ﴾ وهو بعينه القرآن الذي قال:

أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك

[البقرة: 133]. إذن آباء هي جمع أب، وأقل الجمع ثلاثة: إبراهيم إذن وكذلك العم إسماعيل يطلق على كل منهما أب، وأيضا إسحاق وهو والد يعقوب، هؤلاء هم الآباء المذكورون في هذه الآية. وهنا نفهم أن أبوة إسماعيل ليعقوب إنما هي أبوة عمومة لأن يعقوب بن إسحاق، وإسحاق أخو إسماعيل. إذن فقد أطلق الأب وأريد به العم، ويدلنا الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك حينما أخذ عمه العباس أسيرا فقال: ردوا علي أبي وأراد عمه العباس. وبعد ذلك نأتي لنقول: إننا حين نطلق كلمة الأب في أعرافنا نعلم أن اللغة التي نتكلمها لغة منقولة بالسماع، مركوزة في آذاننا، ينطق بها لساننا، والعامية وإن كانت تحرف الفصيح إلا أن أصولها منقولة عن أسلافنا وآبائنا، وهم حين يريدون الأب الحقيقي يقولون له أب ولا يأتون باسمه الشخصي فإذا جاء لك إنسان وقال لك: أبوك موجود؟. ولم ينطق باسم الوالد فهو يقصد والدك فعلا. لكن افرض أن لك عما، فيقول لك السائل: أبوك محمد موجود؟ لقد جاء هنا بتحديد الاسم العلم حتى ينصرف الذهن إلى السؤال عن العم لأنه لو أراد الأب الحقيقي لما ذكر اسمه واكتفى بالسؤال عنه بالأبوة فقط، إذن فلو قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه ﴾. ولم يحدد العلم لقلنا إن آزر هو والد إبراهيم وليس عمه وبذلك يكون هو جد رسولنا، ولكن القرآن حدد الاسم وقال: ﴿ لأبيه آزر ﴾ أي ميز اسم الشخص ليخرج الأب الحقيقي من كلمة أب، وبذلك تنتهي الخلافية في هذه المسألة. ولماذا يطلب الحق سبحانه من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذكر ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه ﴾؟ لأن رسول الله جاء على فترة من الرسل وجاء في الأزمة التي واجهت الدعوة أول مواجهة وهي أمة العرب وعلى رأسها قريش، وهو صلى الله عليه وسلم إن كان قد جاء على فترة الرسل، إلا أن إبراهيم يعيش في عقائد هؤلاء القوم لأن كل أمور إبراهيم النسكية كانت في هذا المكان، فمثلا همه بذبح ابنه وفداء السماء لابنه كانا في هذا المكان، ورفعه للكعبة كان في هذا المكان، والكعبة هي مركز السيادة لقريش، ولولا الكعبة لكانت قريش كسائر القبائل. لقد أراد الحق أن يوضح لقريش أن السيادة التي أخذتموها على العرب كافة جاءت لكم بسبب الكعبة وهذا البيت، فلو لم يوجد هذا البيت وهذه الكعبة، لكنتم قبيلة من القبائل، لا مهابة لكم ولا سلطان، ولا جاه، ولكنكم تعلمون أن تجارتكم تذهب إلى الشمال وإلى الجنوب، ولا يتعرض لها أحد بسوء أبدا لأن الذين يتعرضون لكم سواء منهم من كان في الشمال أو في الجنوب سيأتون في يوم ما إلى الكعبة هذه ليؤدوا مناسك الحج وستتمكنون منهم في أثناء وجودهم في البيت.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦١٦