تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.136

وهنا رجوع إلى الكلام عن الذين يناهضون منهج الله. و " ذرأ " أي خلق، وبث، ونشر، والحرث يراد به الزرع، وسمى الزرع حرثا لأنه يأتي بالحرث، و " الأنعام " وهي تتمثل في ثمانية أزواج في آية تأتي بعد ذلك، وهي الأبل، والبقر، والضأن والمعز. ﴿ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ﴾ أي مما خلق، وهم قد حرثوا فقط لأن الذي يزرع هو الله، فسبحانه الذي أعطى للبذرة قوتها لتربي لها جذرا، وتمتص عناصر الغذاء من الأرض، وهو الذي جاء بعناصر الأرض كلها، وهو الذي جعل البذرة تتجه إلى العناصر الصالحة لها، وتترك غير صالح بقانون

الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى

[الأعلى: 2-3]. والذي صنعه الله الحرث وفي الأنعام تتخيلون أنكم تتصرفون فيه على رغم أنه هو الذي ذرأ وخلق. إنه - سبحانه - هو المتصرف. هم جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا: هذا لله " بزعمهم " وهذا لشركائنا، أي جاءوا بالحرث وقسموه قسمين. وقالوا: هذا لله، وهذا للأصنام. وكذلك قسموا الأنعام وجعلوا منها قسما لله، وقسما لهم، ألم يكن من العدل أن يقسم الذي خلق بدلا من هذا الزعم منكم لأنكم أخذتم غير حقكم، وياليتكم أنصفتم فنرضى بقسمتكم فيذهب القسم الذي لله للصدقات على الفقراء، والذي للشركاء يذهب للأصنام وللسدنة الحجاب عليها والخادمين والذين يضربون لكم الأقداح، ياليتكم عرفتم العدل في القسمة بل إن ما صنعتموه هي قسمة ضيزى جائرة وظالمة، لماذا؟. تأتي الإجابة من الحق: ﴿ فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركآئهم ﴾ [الأنعام: 136]. أنتم قسمتم وقلتم: هذا لله وهذا لشركائنا. فاصدقوا مع أنفسكم في هذه النسبة، لكنهم كانوا يسرقون حق الله، وكان لهم في الهلاك تقسيم معين، وفي الزيادة لهم تقسيم آخر. فإذا ما جاءت آفة للزرع وأهلكته أخذوا ما خصصوه لله وأعطوه للشركاء وقالوا: إن ربنا غني! وبرغم أنكم قسمتم ولكنكم لم توفوا بالقسمة التي فرضتموها ورضيتم بها. وكذلك في الأنعام يقدرون عددا من الأنعام ويقولون: هذه لله، وتلك للشركاء، فإن ماتت بهيمة منذورة للأصنام يعوضوها ويأخذوا بدلا منها من القسم الذي نذروه لله وأيضا لنفترض أن عينا جارية ساحت فيها المياه لتروي الزرع المقسوم لله، فأخذوا منها للأرض المزروعة للأصنام. إذن هي قسمة ضيزى من البداية، وليتهم وفوا بهذه القسمة، وهكذا ساء حكمهم وفسد. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وكذلك زين لكثير... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧١٥