6.24
ويلفت الحق نظر رسوله صلى الله عليه وسلم بدقة إلى عملية سوف تحدث يوم القيامة، وساعة يخبر الله بأمر فلنصدق أنه صار واقعا وكأننا نراه أمامنا حقيقة لا جدال فيها. وسبحانه يقرر أنهم كذبوا على أنفسهم. ونعرف أن كل الأفعال تتجرد من زمانيتها حين تنسب إلى الله سبحانه وتعالى، فليس عند الله فعل ماض أو حاضر أو مستقبل. والمثال على ذلك قوله الحق:
أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون
[النحل: 1]. وليس لقائل أن يقول: كيف يقول الحق إن أمره قد أتى وذلك فعل ماض، ثم ينهى العباد عن استعجاله، والإنسان لا يتعجل إلا شيئا لم يحدث، ليس لقائل أن يقول ذلك لأن المتكلم هو القوة الأعلى ولا شيء يعوق الحق أن يفعل ما يريد. أما نحن العباد فلا نجرؤ أن نقول على فعل سوف نفعله غدا إننا فعلناه، ذلك أن غدا قد لا يأتي أبدا، أو قد يأتي الغد ولا نستطيع أن نفعل شيئا مما وعدنا به، أو قد تتغير بنا الأسباب. وعلى فرض أن كل الظروف قد صارت ميسرة فأي قوة للعبد منا أن يفعل شيئا دون أن يشاء الله؟. ونحن - المؤمنون - نعرف ذلك وعلينا أن نقول كما عملنا الله:
ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله
[الكهف: 23-24]. وهكذا يضمن الإنسان منا أنه قد خرج من دائرة الكذب. وحينما يقول الله لرسول: " انظر " ويكون ذلك على أمر لم يأت زمان النظر فيه فرسول الله يصدق ربه وكأنه قد رأى هذا الأمر. إن الحق يصف هؤلاء الناس بأنهم: ﴿ كذبوا على أنفسهم ﴾ أي أن كذبهم الذي سوف يحدث يوم القيامة هو أمر واقع بالفعل. وقد يكذب الإنسان لصالحه في الدنيا. لكن الكذب أمام الله يكون على حساب الإنسان لا له. ويتابع الحق: ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ ومعنى هذا أنهم يبحثون في اليوم الآخر عن الشركاء ولكنهم لا يقدرون على تحديد هؤلاء الشركاء لأنهم قالوا أمام الله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ وغياب الشركاء عنهم أمام الله هو ما يوضحه ويبينه قول الله: ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ ف " ضل " هنا معناها " غاب ". ألم يقولوا من قبل:
وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقآء ربهم كافرون
[السجدة: 10]. أنهم كمنكرين للبعث يتساءلون باندهاش: أإذا غابوا في الأرض واختلطوا بعناصرها يمكن أن يبعثهم ربهم من جديد؟. فهم لا يصدقون أن الذي أنشأهم أول مرة بقادر على أن يعيدهم مرة أخرى. ونعرف أن كلمة " ضل " لها معان متعددة.
لكن معناها هنا " غاب " ، وحين يسألهم الله: أين شركاؤكم؟، ينكرون كذبا أنهم أشركوا، لقد ضل عنهم - أي غاب عنهم - هؤلاء الشركاء. والإنسان يعبد الإله الذي ينفعه يوم الحشر، وعندما يغيب الآلهة عن يوم الحشر فهذا ما يبرز ضلال تلك الآلهة وغيابها وقت الحاجة إليها، ولا يبقى إلا وجه الله الذي يحاسب من أشركوا به. و " ضل " يقابلها " اهتدى " ، و " ضل " أي لم يذهب إلى السبيل الموصلة للغاية، و " اهتدى " أي ذهب إلى السبيل الموصلة إلى الغاية. ومن لا يعرف السبيل الموصلة إلى الغاية، يكون قد ضل أيضا، ولكن هناك من يضل وهو يعلم السبيل الموصلة إلى الغاية وهذا هو الكفر. وعندما يتكلم الحق عن الذين كفروا يصفهم بأنهم ضلوا ضلالا بعيدا لأن الطريق إلى الهداية كان أمامهم ولم يسلكوه، وهذا هو ضلال القمة. وقد يكون الإنسان مؤمنا لكن مقومات الإيمان ضعيفة في نفسه فيعصي ربه. ويقول الحق عن مثل هذا الإنسان:
ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا
[الأحزاب: 36]. إنه ضلال دون ضلال وكفر دون كفر القمة. لكن ماذا عن الذي يضل لأنه لا يعرف طريق الهدى؟ إن ذلك هو ما يظهر لنا من قصة سيدنا موسى عليه السلام، فحين قال الحق لموسى وهارون عليهما السلام:
فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين * أن أرسل معنا بني إسرائيل