6.152
ونعلم أن اليتيم هو من فقد أباه، ولم يبلغ مبلغ الرجال، هذا في الإنسان، أما اليتيم في الحيوان فهو من فقد أمه. وقوله الحق: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده.. ﴾ [الأنعام: 152]. هنا يفرض سبحانه أن اليتيم له مال، فلم يقل: لا تأكل مال اليتيم. بل أمرك ألا تقترب منه ولو بالخاطر، ولو بالتفكير، وعليك أن تبتعد عن هذه المسألة. وإذا كان قد قال: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم ﴾ فهل هذا الأمر على إطلاقه؟. لا لأنه أضاف وقال بعد ذلك: ﴿ إلا بالتي هي أحسن ﴾ أي بأن نثمر له ماله تثميرا يسع عيشه، ويبقى له الأصل وزيادة، ولذلك قال في موضع آخر:
وارزقوهم فيها
[النساء: 5]. فلا يأخذ أحد مال اليتيم ويدخره، ثم يعطيه منه كل شهر جزءا حتى إذا بلغ الرشد يجد المال قد نقص أو ضاع، لذلك لم يقل: ارزقوهم منها، بل قال: ﴿ وارزقوهم فيها ﴾ أي ارزقوهم رزقا ناشئا منها. فمالهم ظرفية للرزق، ولا يتأتى هذا إلا بأن نثمرها لليتيم، ولا نحرم الوصاية على اليتيم لرعاية ماله من أصحاب الكفاءات في إدارة الأعمال والأمناء، وقد يوجد الكفء في إدارة العمل، والأمين فيه لكن حاله لا ينهض بأن يتحمل تبعات ومؤونة حياته وقيامه بإدارة أموال اليتيم فقال - سبحانه - في ذلك:
ومن كان غنيا فليستعفف
[النساء: 6]. أي أن يهب الوصي تلك الرعاية لله، وحين يهب تلك الرعاية لله ولا يأخذ نظير القيام بها أجرا يضمن أنه إن وجد في ذريته إلى يوم القيامة يتيم فسيجد من يعوله حسبة لله وتطوعا منه مدخرا أجره عند الله. والحق هو القائل:
وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا
[النساء: 9]. وحينما يجد اليتيم من يرعاه، وحين يتعاطف المجتمع مع كل يتيم فيه، ويتولى أمور اليتامى أناس أمناء قادرون على إدارة أمورهم فسوف يقل جزع الإنسان من أن يموت ويترك صغاره لأنه سيجد كرامة ورعاية لليتيم، فالناس تخاف من الموت لأن لهم عيالا صغارا ويرون أن المجتمع لا يقوم برعاية اليتامى، لكن الإنسان إن وجد اليتيم مكرما، ووجد له آباء من الأمة الإسلامية متعددين، فإن جاءه الموت فسوف يطمئن على أولاده لأنهم في رعاية المجتمع، ولكن لا تنتظر حتى يصلح شأن المجتمع بل أصلح من نفسك وعملك تجاه أي يتيم، ويمكنك بذلك أن تطمئن على أولادك فستجد من يرعاهم بعد مماتك، وحين يرعى المجتمع الإيماني كل يتيم ستجد الناس لا تضيق ذرعا بقدر الله في خلقه بأن يموت الواحد منهم ويترك أولادا. والمثل واضح في سورة الكهف بين العبد الصالح وسيدنا موسى حينما مرا على قرية:
حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها
[الكهف: 77]. فلم يطلبا نقودا ليدخراها، ولكنهما طلبا طعاما لسد الجوع، وهذه حاجة ملحة. ومع أنهما استطعما أهل القرية أبى أهل القرية أن يضيفوهما. ومعنى ذلك أنها قرية لئيمة الأهل. وعلى الرغم من العبد الصالح وجد ردهم عليه وامتناعهم عن إطعامهما، ولكنه عندما وجد جدار، وبفراسته علم أن الجدار يريد أن ينقض، وكأن الجدار له إدارة، فأقام الجدار، ولأمه سيدنا موسى عليه السلام، وكان سيدنا موسى منطقيا مع نفسه، فقد طلب هو وشيخه من أهل القرية مجرد الطعام فرفضوا، فكيف ترد عليهم بأن تبنى لهم الجدار، وكان يجب أن تأخذ على البناء أجرة، فهم قوم لئام، هذا كلام موسى. لكن العبد الصالح جازاهم بما يستحقون لأنه ببنائه الجدار قد حال بينهم وبين أخذ الكنز، لأنه لو ترك الجدار ينهار لظهر الكنز الذي تحته وهو ليتمين، وهكذا عرف العبد الصالح كيف يربيهم. وبعد ذلك أراد الله أن يشرح لنا أن الجدار لغلامين يتمين في المدينة.
فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا كنزهما
[الكهف: 82]. فكأن استخراج الكنز مقارن ببلوغ الرشد، وكأن العبد الصالح قد بنى الجدار بناء مؤقوتا، بحيث لا ينهار إلا حين يبلغ الغلامان مبلغ الرشد، لقد بنى العبد الصالح البناء وكأنه يضبط الميقات فلا يتماسك الجدار إلا لساعة بلوغ الغلامين أشدهما، وعندئذ يستخرج الغلامان كنزهما. وبعد ذلك جاء لنا بالحيثية لكل ذلك، فقال سبحانه: