تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه

[المائدة: 79]. إذن السماء لا تتدخل برسالة أو معجزة أو منهج إلا حين يطم الفساد. وما دام قد طم الفساد فهناك من يستفيد من هذا الفساد. وحين يأتي الرسول من أجل أن يمنع الفساد فهذا الرسول يمنع عن المفسدين استغلال الناس ويحول بينهم وبين الاستفادة من الفساد. ولذلك كان لكل رسول مقاومة من المفسدين وكانوا يقولون:

وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي

[هود: 27]. وأتباع كل رسول هم المظلومون الذين يحتاجون إلى منقذ. أما الجبابرة فهم يخاصمون الرسول ويقاومونه، ويستقبله هؤلاء الجبابرة بإيذاء يتناسب مع مهمته. فإن كانت مهمته لقبيلة فالإيذاء يأتيه من هذه القبيلة. وإن كانت مهمته أوسع من ذلك فإنه يلقى من صنوف العذاب ألوانا. وما دام محمد صلى الله عليه وسلم رسولا إلى الناس كافة فعليه أن يجد المتاعب الكثيرة ويتحملها. وقد أعده الله وهيأه لذلك، وقد أخذ الرسل السابقون من الإيذاء على قدر دعوتهم. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو للناس كافة، ولا رسالة من بعده، لذلك يتجمع ضد هذا الرسول وهذه الرسالة أقوام كثيرون. ولذلك يقول له الحق سبحانه: ﴿ ولقد كذبت رسل من قبلك... ﴾.

6.34

فإذا كان الرسل الذين سبقوك قد كذبوا وصبروا على ذلك، وهم رسل لقومهم أو لأمة خاصة، ولزمان خاص، فماذا عنك يا خاتم الرسل وأنت للناس كافة وللأزمان عامة؟ إن عليك أن تتحمل هذا لأن الحق سبحانه وتعالى قد اختارك لهذه المهمة وهو العليم أنك أهل لها. والحق كفيل بنصر رسله فلا يتأتى أن يترك الشر أو الباطل ليغلب الرسل، وما دام سبحانه وتعالى قد بعث الرسول فلا بد أن ينصره. فهو القائل:

ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون

[الصافات: 171-173]. وما دامت قد سبقت كلمة الله للرسل فلا مبدل لكلمات الله، ولا أحد بقادر على أن يعدل في المبادئ التي وضعها الله بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ ولا مبدل لكلمات الله ولقد جآءك من نبإ المرسلين ﴾ [الأنعام: 34]. وقد قص الحق سبحانه على رسوله قصص المرسلين، ولم يكتف بالقول لرسوله أن الرسل السابقين عليه قد كذبتهم أقوامهم، ولكن أورد الحق لرسوله ما حدث لكل رسول ممن جاء ذكرهم بالقرآن الكريم وماذا حدث للرسول - أي رسول - من ثبات أمام الأعداء، ثم بين أن كلمة الحق قد انتصرت دائما. وقد روى الحق بعضا من قصص الرسل فقال:

منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك

[غافر: 78]. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وإن كان كبر عليك إعراضهم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٥٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٥٥٧