تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.20

إذن فرسول الله معلوم مقدما من أهل الكتاب كمعرفتهم لأبنائهم، ولكن بعضا منهم فضل السلطة الزمنية على الإيمان برسول الله فخسروا أنفسهم لأن الخسارة - كما نعرف - هي ضياع لرأس المال أو نقصانه. وهم خسروا أنفسهم لأن تلك النفوس كان يجب أن تحرص على مصلحة الأرواح التي جاء محمد صلى الله عليه وسلم لإصلاحها. إنهم بذلك قد منعوا الخير عن أنفسهم بتفضيل سلطان الدنيا الزائل على الإيمان بالله، وفي ذلك خيبة كبرى. الله يعلمنا أن الإيمان إنما هو كسب للنفس، فإياك أيها المؤمن أن تظن أن قولك: " لا إله إلا الله " هو سند لعرش الله. لا، إنها سند لك أنت لأنه لا إله إلا هو خلق الكون والخلق بصفات الكمال والقدرة والعلم والحكمة، واعتراف الخلق بألوهية الله وحده لا تزيد من كمال الله ولكنها تفيد العباد الذين آمنوا فيحسنون استقبال الأمر بعمارة الكون، لتسير حركة الحياة في ضوء منهج الله فينسجموا مع الكون كله المسبح لله. وحين يقول الحق: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ﴾ [الأنعام: 20]. فهو يخبر أهل مكة أن الصيحة الإيمانية التي صاح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في آذانهم لم تكن صيحة مفاجئة للكون، ولكنها صيحة بشر بها على لسان كل رسول، وإذا كان أهل مكة قد بعدت صلتهم بالرسل والأنبياء وكانوا على فترة من الرسل، فهم بجوارهم لأهل كتاب في المدينة يعلمون هذه الحقيقة التي جاء بها رسلهم مؤكدين للعهد الذي أخذه الله عليهم لأننا نعلم أن الحق سبحانه وتعالى حين خلق الخلق واستعمرهم في الأرض أرادهم موهوبين من قدرته سبحانه قدرة، ومن غناه سبحانه غنى، ومن علمه الكامل علما، ومن حكمته المطلقة حكمة، ومن رحمته الكاملة رحمة، ومن قاهرية الله قهرا لأن الكون لا يمكن أن يستقيم إلا إن وجدت فيه هذه المتكاملات وإن كانت متناقضة لأن لكل صفة مجالها الذي تعمل فيه. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نجد الإنسان منا حين يرحم ولده دائما يفسد الولد وإن لم يقس عليه مرة فأبوته ناقصة، إذن، فلا يمكن أن يكون المهيمن على الخلق رحيما فقط، وإنما يجب أن يكون قاهرا أيضا لأن الموقف قد يتطلب القهر. ولا يريد الحق سبحانه وتعالى أن يطبع خلقه على خلق واحد، ولكنه سبحانه يريد أن يجعلهم ينفعلون للمواقف المختلفة فالموقف الذي يتطلب رحمة، يكونون فيه رحماء، والموقف الذي يتطلب قسوة وشدة يكونون فيه قساة، ولذلك يقول الحق في المؤمنين:

محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا

[الفتح: 29]. إن الحق يحدثنا عن خلق المؤمنين. إنه سبحانه لم يطبعهم على الشدة لأن المواقف قد تتطلب رحمة، ولكن الشدة مطلوبة لمواجهة أهل الباطل. ولم يطبعهم الحق على اللين، لكن اللين مطلوب فيما بينهم لأن كلا منهم يرجو رحمة الله وفضله ففي الموقف الذي يتطلب رحمة هم رحماء. وفي المواقف الذي يتطلب شدة هم أشداء، ولذلك يقول الحق سبحانه أيضا عن المؤمنين:

أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين

[المائدة: 54]. ولم يجعل الحق المؤمن ذليلا على إطلاقه، ولا عزيزا على إطلاقه، ولكنه جعله ذليلا على أخيه المؤمن، لين الجانب رحب الأخلاق. وجعله عزيزا على الكافرين المتأبين على الله. إذن، فسبحانه يريد من خلقه أن يكونوا على خلق الحق سبحانه وتعالى، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عمار بن ياسر رضي الله عنه:

" حسن الخلق خلق الله الأعظم "

وروي:

" تخلقوا بأخلاق الله "

إن لله سبحانه وتعالى قدرة حكيمة، فخذوا أيها المؤمنون قدرته واستعملوها بحكمة، ولله علم فحاولوا أن تكونوا عالمين، ولله رحمة فحاولوا أن تكونوا رحماء، والله جبار فإذا تطلب الموقف منكم أن تكونوا جبارين فافعلوا، لأن سياسة الأرض وسياسة المجتمع قد لا تصلح إلا بهذا. وما دام الحق قد أراد من الخلق أن يعمروا هذا الكون فلا بد أن يضمن لهم منهجا سليما يرتكز على " افعل " و لا " تفعل " ، فإن نحن أخذنا منهج الله فنحن نأخذ ما يمكن أن نسميه بالعرف الحاضر: " قانون الصيانة " فلنفعل ما قال الله افعلوا، ولنترك ما قال الله في شأنه لا تفعلوا حتى تؤدي الآلة الإنسانية مهمتها كما يريد الله لها أن تكون. إن الفساد إنما ينشأ من أنك أيها الإنسان تنقل الأعمال من نطاق " افعل " إلى نطاق " لا تفعل " ، والأعمال التي يجعلها الله في نطاق " لا تفعل " تجعلها أنت في نطاق " افعل ". فإن طلب الله أن نقيم الصلاة ب " افعل " فكيف نجعلها في نطاق " لا تفعل " بعدم الصلاة؟، وإن طلب الله منا ألا نشرب الخمر فكيف نشربها إذن؟. إن الخلل الإيماني الذي يحدث في الكون إنما ينشأ من نقل متعلقات " افعل " إلى " لا تفعل " ، ومن نقل متعلقات " لا تفعل " إلى " فعل " ، أما ما لم يرد فيه " افعل " و " لا تفعل " فقد ترك الله لاختيارك إباحة أن تفعله أو لا تفعله، لأن الكون لا يفسد بشيء منها. وإذا نظرت إلى منهج الله في " افعل " و " لا تفعل " فأنت تجد أن الحق سبحانه لم يقض على حريتك ولم يقض على اختيارك، وإنما ضبطك ضبطا محكما فيما ينشأ فيه فساد الكون، أما الذي لا ينشأ منه فساد فإن شئت فافعله وإن شئت فاتركه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٥٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٥٣٤