تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنآ إنه هو السميع البصير

[الإسراء: 1]. إن محمدا عليه الصلاة والسلام لم يقل: أنا سريت من مكة إلى بيت المقدس، إنما قال: " أسري بي " ، وما دام قد أسري به فالقانون في الإسراء هو قانون الحق سبحانه. فخذها في إطار سبحانه، وهو القائل:

سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم

[يس: 36]. ثم يأتي بما هو أوسع من إدراكك فيقول:

ومما لا يعلمون

[يس: 36]. كأننا سوف نعلم فيما بعد أشياء فيها زوجية، وقد أزاح الكشف العلمي في القرن العشرين بعضا من ذلك، فعرفنا الموجب والسالب في الكهرباء والالكترونات، وقوله:

ومما لا يعلمون

[يس: 36] يفسح المجال لقضايا الكون التي تحدث بنشاطات العقول المكتشفة. ﴿ وجعلوا لله شركآء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون ﴾ [الأنعام: 100]. ف سبحانه تنزيها له وتقديسا عن أن يقاس بالكائن الموجود. تعالى اسمه، وتعالت ذاته، وتعالت صفاته وأفعاله ﴿ عما يصفون ﴾ بأوصاف لا تليق بذاته. وبعد ذلك يقول الحق: ﴿ بديع السماوات والأرض... ﴾.

6.101

والحق سبحانه وتعالى قال في آيات أخرى:

لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس

[غافر: 57]. فإن كنت ترى في نفسك عجائب كثيرة، وكل يوم يعطيك العلم التشريحي أو علم وظائف الأعضاء سرا جديدا فلا تتعجب من هذا الأمر لأن السماء والأرض إيجاد من عدم، وسبحانه هنا يقول: " بديع " أي أنه - سبحانه - خلقهما على غير مثال سابق، فمن الناس من يصنع أشياء على ضوء خبرات أو نماذج سابقة، لكن الحق سبحانه بديع السموات والأرض، وقد عرفنا بالعلم أن الأرض التي نعيش عليها وهي كوكب تابع من توابع الشمس، وقديما كانوا يقولون عن توابع الشمس إنها سبعة، ولذلك خدع كثير من العلماء والمفكرين وقالوا: إن السبعة التوابع هي السموات، فأراد الحق أن يبطل هذه المسألة بعد أن قالوا سبعة. فقد اكتشف العلماء تابعا ثامنا للشمس، ثم اكتشفوا التاسع، ثم صارت التوابع عشرة، ثم زاد الأمر إلى توابع لا نعرفها. وأين هذه المجموعة الشمسية من السموات؟ وكلها مجرد زينة للسماء الدنيا، وعندما اكتشفت المجهر والآلات التي تقرب البعيد رأينا " الطريق اللبني " أو " سكة التبانة " ووجدناها مجرة وفيها مجموعات شمسية لا حصر لها، وجدنا مليون مجموعة مثل مجموعتنا الشمسية. هذه مجرة واحدة، وعندنا ملايين المجرات، ونجد عالما في الفلك يقول: لو امتلكنا آلات جديدة فسنكتشف مجرات جديدة. ولنسمع قول الله:

والسمآء بنيناها بأييد وإنا لموسعون

[الذاريات: 47]. إذن يجب أن نأخذ خلق السموات والأرض في مرتبة أهم من مسألة خلق الناس. ﴿ بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ﴾ [الأنعام: 101]. وما دام سبحانه بديع السموات والأرض، وهو بقدرته الذاتية الفائقة خلق السموات والأرض الأكبر من خلق الناس، إذن فإن أراد ولدا لطرأ عليه هذا الابن بالميلاد، ولا يمكن أن يسمى ولدا إلا إذا ولد، وسبحانه منزه عن ذلك، ثم لماذا يريد ولدا، وصفات الكمال لن تزيد بالولد، ولم يكن الكون ناقصا قبل ادعاء البعض ان للحق سبحانه ولدا، إن الكون مخلوق بذات الحق سبحانه وتعالى، والناس تحتاج إلى الولد لامتداد الذكرى، وسبحانه لا يموت مصداقا لقوله:

كل شيء هالك إلا وجهه

[القصص: 88]. والبشر يحتاجون إلى الإنجاب ليعاونهم أولادهم، وسبحانه هو القوي الذي خلق وهو حي لا يموت لذلك فلا معنى لأن يدعى عليه ذلك وما كان يصح أن تناقش هذه المسألة عقلا، ولكن الله - لطفا بخلقه - وضح وبين مثل هذه القضايا. يقول جل وعلا: ﴿ ولم تكن له صاحبة ﴾. وماذا يريد الحق من الصاحبة؟ إنه لا يريد شيئا ، فلماذا هذه اللجاجة في أمر الألوهية؟.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦٦٠