تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.76

و " جن " تفيد الستر والتغطية، ومنها " الجنون " أي ستر العقل، و " جن الليل " أي أظلم وستر عنك، فلا ترى غيرك ولا غيرك يراك. و " الجنة " كذلك لأن فيها الأشجار والأشياء التي تستر من يمشي فيها، إذن المادة كلها تفيد الستر. وكلمة " كوكب " تفيد أنه يأخذ ضوءه من غيره، ونفهم من الآية أن إبراهيم كان في ظلمة ثم طلع الكوكب فرآه، ثم غاب الكوكب أي انتقل من بزوغ وطلوع إلى أفول، وقديما كانوا يعبدون الكواكب والنجوم، فجاء لهم إبراهيم من جنس ما يعبدون، وقال: ﴿ لا أحب الآفلين ﴾. ويتابع الحق بعد ذلك: ﴿ فلمآ رأى القمر بازغا... ﴾.

6.77

وهنا قال إبراهيم عليه السلام: هذا ربي، ووقف العلماء هنا وتساءلوا: كيف يقول إبراهيم هذا ربي، وهي جملة خبرية من إبراهيم، وكيف يجري إبراهيم على نفسه لفظ الشرك، وأراد العلماء أن يخلصوا إبراهيم من هذه المسألة. ونقول لهؤلاء العلماء: جزاكم الله كل خير، وكان يجب أن تؤخذ هذه المسألة من باب قصير جدا لأن الذي قال: إن إبراهيم قال: هذا ربي، هو الذي قال في إبراهيم:

وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن

[البقرة: 124] إذن فقوله ﴿ هذا ربي ﴾ لا تخدش في وفائه الإيماني، ولا بد أن لها وجها. ونعلم أن القوم كانوا يعبدون الكواكب، ويريد إبراهيم أن يلفتهم إلى فساد هذه العقيدة، فلو أن إبراهيم من أول الأمر قال لهم: يا كذابون، يا أهل الضلال، وظل يوجه لهم السباب لما اهتموا به ولا سمعوا له. لكن إبراهيم استخدم ما يسمي في الجدل ب " مجاراة الخصم " ليستميل آذانهم ويأخذ قلوبهم معه، وليعلموا أنه غير متحامل عليهم من أول الأمر، فيأخذ بأيديهم معه. مثال ذلك في حياتنا، تجد رجلا له ابنة وجاء لها خطيب، وهذا الخطيب قصير جدا، بينما البنت - ما شاء الله - طويلة، وحين جاء الخطيب ليراها وتراه تقول لأمها: هذا خطيبي؟! وهذا القول يعني أنها تنكر أن يكون هذا القصير عنها هو خطيبها، وحين قال إبراهيم: ﴿ هذا ربي ﴾ معناه إنكار أن يكون مثل هذا الكوكب أو ذلك القمر أو تلك الشمس هي الرب. ونلحظ أنه يحدد لهم مصير من يعبد تلك الكواكب، فقال: ﴿ لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ﴾ ، وفي هذا معرفة بمن على هدى أو على ضلال، ويكون قوله: ﴿ هذا ربي ﴾ لونا من التهكم لأنهم قالوا بما جاء به القرآن على لسانهم:

أهذا الذي يذكر آلهتكم

[الأنبياء: 36]. فكأنه قال: سلمنا جدلا أنه ربكم، لكنه يأفل ويغيب عنكم، وقوله:

لا أحب الآفلين

[الأنعام: 76] يعني أنه غير متعصب ضدهم. وكذلك حين يقول الحق: ﴿ فلما رأى الشمس بازغة... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦٢٣