تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين

[يونس: 90]. وماذا كان رد الله عليه؟ لقد قال سبحانه:

آلآن وقد عصيت قبل

[يونس: 91]. إذن: إذا بلغت الروح الحلقوم، وهذه مقدمات الموت فلا ينفع حينئذ إعلانك الإيمان. ويذيل الحق الآية بقوله: ﴿ انتظروا إنا منتظرون ﴾ [الأنعام: 158]. هم منتظرون الخيبة ونحن منتظرون الفلاح. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ إن الذين فرقوا... ﴾.

6.159

هذه الآية تشرح الآية التي سبقت خواطرنا عنها، وهي قوله الحق:

وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون

[الأنعام: 153]. والذين فرقوا دينهم نسوا أن الدين إنما جاء ليجمع لا ليفرق، والدين جاء ليوحد مصدر الأمر والنهي في الأفعال الأساسية فلا يحدث بيننا وبين بعضنا أي خلاف، بل الخلاف يكون في المباحات فقط إن فعلتها فأهلا وسهلا، وإن لم تفعلها فأهلا وسهلا، وما لم يرد فيه أفعل ولا تفعل فهو مباح. إذن الذين يفرقون في الدين إنما يناقضون منهج السماء الذي جاء ليجمع الناس على شيء واحد لتتساند حركات الحياة في الناس ولا تتعاند، وإذا كان لك هوى، وهذا له هوى، وذلك له هوى فسوف تتعاند الطاقات، والمطلوب والمفروض أن الطاقات تتساند وتتعاضد. والشيع هم الجماعة التي تتبع أمرا، هذا الأمر يجمعهم ولو كان ضلالا. وهناك تشيع لمعنى نافع وخير، وهناك تشيع لعكس ذلك، والتشيع على إطلاقه هو أن تجتمع جماعة على أمر، سواء أكان هذا الأمر خيرا أم شرا. ﴿ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم ﴾ [الأنعام: 159]. إذن هم بعيدون عن منهجك يا محمد، ولا يصح أن ينسبوا إلى دينك لأن الإسلام جاء لإثبات القيم للوجود مثل الماء لإثبات حياة الوجود. ونعرف أن الماء لا يأخذ لونا ولا طعما ولا رائحة، فإن أخذ لونا أو طعما أو رائحة فهو يفقد قيمته كماء صاف. وكذلك الإسلام إن أخذ لونا، وصار المسلمون طوائف فهذا أمر يضر الدين، وعلينا أن نعلم أن الإسلام لون واحد. ﴿ إنمآ أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ﴾ [الأنعام: 159]. إن شاء سبحانه عاجلهم بالهزيمة أو بالعذاب، وإن شاء آجلهم إلى يوم القيامة. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ من جآء بالحسنة... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧٤٠