تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلا الولد ولا الصاحبة يزيدان له قدرة تخلق، ولا حكمة ترتب، ولا علما يدبر، ولا أي شيء، ومجرد هذا اللون من التصور عبث، فإذا كان الشركاء ممتنعين، والقصد من الشركاء أن يعاونوه في الملك إله يأخذ ملك السماء، وإله آخر يأخذ ملك الأرض. وإله للظلمة، وإله للنور. مثلما قال الاغريق القدامى حين نصبوا إلها للشر. وإلها للخير، وغير ذلك. والحق واحد أحد ليس له شركاء يعاونونه فما المقصود بالولد والصاحبة؟ أعوذ بالله! ألا يمتنع ويرتدع هؤلاء من مثل هذا القول: ﴿ وهو بكل شيء عليم ﴾ فسبحانه هو الخالق للكون والعليم بكل ما فيه ولا يحتاج إلى معاونة من أحد. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿ ذلكم الله... ﴾.

6.102

انظر التقديم بكلمة رب، قبل " لا إله إلا هو " كلمة " رب " هذه هي حيثية " لا إله إلا هو " لأن إلها تعني معبودا، ومعبودا يعني مطاعا، ومطاعا يعني له أوامر ونواه، ولماذا ولأي سبب؟. السبب أنه الرب المتولي الإيجاد والتربية. ومن الواجب والمعقول أن نسمع كلامه لأنه هو الرب والخالق وهو الذي يرزق، بدليل أننا حين نسأل أهل الكفر في غفلة شهواتهم: من خلق السموات والأرض؟ تنطق فطرتهم ويقولون: الله هو الذي خلق السموات والأرض. أما إن كان السؤال موجها في محاجاة مسبقة فأنت تجد المكر والكذب. وحين تريد أن تنزع منهم قضية صدق وتضع وتبطل قضية كذب فلتأخذهم على غفلة ودون تحضير فيقولون إن الذي خلق هو الله. ورأينا الآلات التي صمموها ليكتشفوا الكذب، وليروا العملية العقلية التي تجهد الكذاب، أما صاحب الحق فلا يجهد لأن صاحب الحق يستقرئ واقعا ينطق به ولا يصيبه الجهد، لكن الذي يكذب يجهد نفسه ويتردد بين أمور ويضطرب ولا يدري بأيها يأخذ ويجيب بإجابات متناقضة في الشيء الواحد. ﴿ ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل ﴾ [الأنعام: 102]. وما دام هو خالق لكل شيء وهو الباقي فهو الأحق بالعبادة لأن العبادة - كما قلنا - معناها طاعة الأمر وطاعة النهي - ومادام سبحانه الذي خلق فهو الذي يضع قانون الصيانة للإنسان والكون، وإن خالفت المنهج يفسد الكون والإنسان، وإذا فسد الكون أو الإنسان فأنت تلجأ إلى منهج الخالق لتعيد لكل منهما صلاحيته لذلك هو الأولى بالعبادة. ﴿ ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو ﴾. وهذه شهادة شهد بها لذاته قبل أن يخلق كل شيء، وقبل أن يخلق الملائكة، وشهدت بها ملائكته، وشهد بها أولو العلم.

شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط

[آل عمران: 18]. إذن فالله شهد بألوهيته من البداية، ومن أسمائه " المؤمن " ونحن مؤمنين بالله، وربنا المؤمن بأنه إله واحد، وهذا الإيمان منه أنه إله واحد، يخاطب كل شيء يريده وهو يعلم أن أي شيء لا يقدر أن يخالفه، إنه يخاطبه بقوله: " كن فيكون " ولأنه إله واحد يعلم أن أحدا أو شيئا لم يخالفه، لذلك يباشر ملكه وهو العليم بأن الغير خاضع لأمره ولا يمكن أن يتخلف عن مراداته، أو نقول: " المؤمن " لما خلق ولمن خلق، أي منحهم الأمن والأمان فهو سبحانه القائل:

الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف

[قريش: 4]. لقد أوضح الحق سبحانه لنا: أنتم خلقي فإن أخذتم منهجي أطعمكم من الجوع وآمنكم من الخوف.

﴿ ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء ﴾. إذن فالمنطق يفرض علينا عبادته سبحانه، والأمر المنسجم مع المقدمة، أن لا رب، ولا إله إلا هو، إنه خالق كل شيء لذلك تكون عبادته ضرورة، ويتمثل ذلك أن تطيعه فيما أمر، وفيما نهى. ﴿ وهو على كل شيء وكيل ﴾ [الأنعام: 102]. وهذه دقة الأداء البياني في القرآن، فنحن في أعرافنا نقول: فلان وكيل لفلان أي يقوم لصالحه بالأمور التي يريدها، وسبحانه ليس وكيلا لك، بل هو وكيل عليك لأن الوكيل لك ينفذ أوامرك، لكن هو وكيل عليك، مثل الوصي على القاصر هو وكيل عليه، ويقول للقاصر: افعل كذا فيفعل، وسبحانه وكيل علينا، ولذلك نحن نطلب منه وهو الذي يستجيب لدعائنا بالخير، فلا ينفذ رغباتنا الطائشة، ونجد الأحمق من يقول: لقد دعوت الله ولم يستجيب لي، ونقول: إنك تفهم الاستجابة أنها تؤدي لك مطلوبك، وسبحانه أعلم بما يناسبك لأنه وكيل عليك ويعدل من تصرفاتك، وساعة تطلب حاجة، إن كان فيها خير يعطيها لك، وإن كنت تظن أنها خير، لكنها ستأتي بالشر لا يعطيها لك. وعلى من يدعو ألا يتعجل الإجابة. قال صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦٦١