6.61
والقاهر هو المتحكم بقدرة فائقة محيطة مستوعبة. ولقائل أن يقول: ما دام الحق هو القاهر فكيف يكفر الكافر وكيف يعصي العاصي؟. ونقول: إن الكافر يكفر بما خلق الله به من اختيار وكذلك تكون معصية العاصي. ولكن الحق أوجد في الإنسان اضطراريات وقهريات تدلنا على أنه سبحانه فعال لما يريد. ولا أحد من المتمردين على منهج الله يجرؤ أن يسحب هذا التمرد على ما يجريه الله عليه من مرض أو موت. والمتمرد أو الكافر إنما يختار من باطن الاختيار الذي خلقه الله فيه، والله هو الحاكم للميلاد والموت ولا شيء للإنسان فيهما، وكذلك هو سبحانه له تصريف أمور الغنى والفقر ولا يجرؤ متمرد على أن يتمرد على المصائب التي تحدث له وإن تمرد على منهج الله لأن التمرد هو من باطن خلق الله للاختيار الذي أودعه في الإنسان. ﴿ وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ﴾ [الأنعام: 61]. وحين يتكلم الحق سبحانه عن ذاته ونفسه، قد يتكلم بضمير المتكلم. فيقول:
إنني أنا الله
[طه: 14]. وقد يقول سبحانه:
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9]. ومرة يتكلم عن ذاته بما نسميه نحن ضمير الغيبة مثل قوله هنا: ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ [الأنعام: 61]. لأن ضمير المتكلم معه دليله، إن المتكلم يقول: أنا، ويخاطبك فيقول: أنت. لكن الذي يتكلم بضمير الغيبة لا بد أن يعود الضمير على مرجع لهذا الضمير. وحين يتكلم الحق عن ذاته بما يسمى لدينا ضمير الغيبة فإنه - سبحانه - يريد أن يبين لنا أنه في أجلى مجال المشاهدة والحضور فكأنه إذا قال " هو " لا تنصرف إلا إلى ذاته العليا فكأنه لا يوجد مرجع ضمير إلا هو، ولذلك يقول:
قل هو الله أحد
[الإخلاص: 1]. وسبحانه يقول: " هو " قبل أن يذكر المرجع، وهو " الله " مع أن الأصل في المرجع أن يتقدم، ولكنه يقول:
قل هو الله أحد
[الإخلاص: 1]. فكأنه إذا أطلق هذا الضمير فلا ينصرف إلا إلى ذاته. وحين يتكلم بضمير التكلم نراه يتكلم عن ذاته بضمير الإفراد فيقول:
إنني أنا الله
[طه: 14]. ويقول مرة أخرى:
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9]. لماذا؟. إنه سبحانه إن تكلم عن فعل من أفعاله نجد أن كل فعل من أفعاله يتطلب صفات الكمال كلها فيه، لأنه يتطلب علما بما يتكلم به، ويتطلب قدرة لإبرازه، ويتطلب حكمة، ويتطلب صفات كثيرة، فإذا قال سبحانه:
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9]. فالتنزيل فعل، والفعل يقتضي صفات متعددة. فلا بد أن يأتي بضمير التعظيم وهو الجمع لأن كل صفات الكمال متجلية في التنزيل.
ولكن إن تكلم عن الذات في التوحيد لا يأتي بضمير الجمع أبدا لأنه يريد أن تنفي عن ذاته أنه متعدد لأنه هو الواحد الذي لا شريك له، فحين يتكلم عن الذات يقول:
إنني أنا الله...
[طه: 14]. وحين يتكلم عن الذكر يقول:
إنا نحن نزلنا الذكر...
[الحجر: 9]. ففي مجال التعظيم والتنزيل الذي يتطلب تجلي كثير من صفاته - جل شأنه - يأتي بضمير الجمع، وفي التوحيد والتفرد ونفي الشريك يأتي بضمير الإفراد. هنا يقول سبحانه: ﴿ وهو القاهر فوق عباده... ﴾ [الأنعام: 61]. وكلمة " قاهر " إذا سمعتها تتطلب مقهورا. وما دام هناك قاهر ومقهور ففي ذلك ميزانان بين مجالين. وما دام هو قاهرا ففي أي مجال وبأية طريقة سيكون الطرف الثاني مقهورا له؟ إننا نعلم أن كل شيء في الكون مقهور له، فقد قهر العدم فأوجد، وقهر الوجود فأعدم. وقهر الغنى فأفقر، وقهر الفقر فأغنى. وقهر الصحة فأمرض، وقهر المرض فأصح. إذن فكل شيء في الوجود مقهور لله حتى الروح التي جعلها الله مصدر الحس والحركة للإنسان يقهرها سبحانه. فإذا جاء إنسان وقتل إنسانا آخر بأن ضربه على المكان الذي لا توجد عند عدمه وفقده حياة بأن أذهب صلاحيته للبقاء تنسحب الروح. وهذا يوضح لنا أن الروح في الجسم هي المسيطرة، لكن من ينقض البنية التي تسكنها الروح يذهب الروح ويخرجها من الجسم. ومرة يقهر المادة بالروح، فيأخذ الروح من غير آفة ومن غير أية إصابة ويتحول الجسم إلى رمة. إذن فسبحانه يقهر الروح، ويقهر المادة، ولا توجد متقابلات في الوجود عالية ومتأبية ومتمردة عليه - سبحانه -: ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ [الأنعام: 61]. والقاهر هو المتحكم بقدرة شاملة على المقهور. وانظر أي تقابل في الحياة تجده مدينا وخاضعا لصفة القهر. ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ وكلمة " فوق " تقتضي مكانية. ولكن المكانية تحديد، وما دام القهر يتطلب قدرة فهل يعني ذلك أن القادر لا بد أن يكون في مكان أعلى؟ لأننا نجد - على سبيل المثال ولله المثل الأعلى - من يضع قنبلة تحت العمارة العالية ويقهر من فيها. إذن فالقهر لا يقتضي الفوقية المكانية، إذن فالفوقية المرادة هي فوقية الاستعلاء، ونحن عندما تكلمنا عن الحق سبحانه وتعالى أوضحنا أن نلتزم بإطار ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ فهو ذات لا ككل الذوات. وصفاته ليست ككل الصفات، وكذلك نأتي ونقول في فعله، وعلى سبيل المثال نجد خلق الله يحتاجون إلى زمن ويحتاجون إلى علاج، وكل جزئية من الفعل تحتاج إلى جزئية من الزمن، لكن هو سبحانه إذا فعل أيحتاج فعله إلى زمن؟ لا لأنه لا يفعل بعلاج، ولا يجلس ليباشر العملية، إنما يفعل سبحانه ب " كن " ، إذن القهر في قوله: ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ هو قهر الاستعلاء.