فلا يسمى ذبح الحيوان اعتداء عليه لأن الحيوان مخلوق لهذه المهمة. إذن فمعنى كلمة " باسم الله " أي أنني لم أجترئ على هذا العمل إلا في إطار اسم الله الذي أحل لي هذا. بعد ذلك يقول الحق للمؤمنين: لا تسمعوا كلام الكافرين، ويأتي السؤال الاستنكاري: ﴿ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ والمعنى: أي سبب يمنعكم من أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه؟ وقد فصل لكم ما حرم عليكم، فما ذكر اسم الله عليه ليس من ضمن المحرمات التي نص الله عليها، فربنا سبحانه هو من حلل وحرم. وإن قيل: ما دام قد حرم علينا بعض الأشياء فلماذا خلقت هذه الأشياء؟ ونقول: إن من يفكر بمثل هذا الأسلوب يتناسى أن كل مخلوق من الحيوانات ليس مخلوقا للأكل، بل لكل حيوان مهمة. وإن ذبحت محرما، فقد يناقص هذا الفعل مهمته فالخنزير - مثلا - حرمه ربنا لإنك إن ذبحته فستذهب به بعيدا عن مهمته لأنه مخلوق كي يلم جراثيم الأشياء التي لا تراها العين، فأنت حين تذبحه تخرجه عن مهمته. والحق سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإنسان، ويعلم ما يناسبه من غذاء يولد الطاقة ولا يهدر الصحة لذلك حرم وحلل له، وإياك أن تقول: إن الله سبحانه وتعالى لم يحرم إلا الشيء الضار فقد حرم شيئا غير ضار لأنه يريد بذلك الأدب في: " افعل هذا " و " لا تفعل هذا ". ولذلك قال الحق سبحانه:
فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم..
[النساء: 160]. وفي حياتنا اليومية هل تقول: إن الذين يربون أبناءنا في الجيش بالشدة، يقسون على الأبناء؟ لا، بل إنهم يعدونهم لمواجهة المهام الشاقة. وأن يتعودوا التزام الأدب والطاعة والانضباط، فكذلك حلل الحق ما أراد وحرم ما شاء ليجعل الكون منضبطا بقدرة الحكيم القادر، فسبحانه يحرم أشياء مثل المخدرات، ونحن في بعض الأحيان نتناولها لنداوي بها الأمراض، فلو أخذها الإنسان من غير مرض أو داع فإنها تسرق الصحة من بنية الإنسان، وإن أخذها من بعد ذلك للعلاج لا تأتي بالمفعول المطلوب منها. ولذلك نجد من الأطباء من يسأل الإنسان قبل إجراء الجراحات الدقيقة إن كان المريض قد تناول المخدرات أم لا؟ وذلك حتى يتعرف الأطباء على حقيقة ما يصلح له من ألوان التخدير. وسبحانه وتعالى قد منع عنا تلك الألوان من مغيبات العقول، لعلنا نحتاج إليها في لحظة الشدة والمرض. إذن فالحق سبحانه وتعالى قد ربط كل حكم من الأحكام التحليلية والتحريمية ب " إن كنتم مؤمنين " ، ومعنى " إن كنتم مؤمنين " أي يا من آمنتم بالإله الحكيم الذي لا يأمر إلا بما فيه مصلحتكم، امتنعوا عن مثل تلك الأفعال، وإذا أقبلت على أي شيء مما أحله الله لك فأقبل عليه باسم الله، وسبحانه وتعالى له أسماء علمها لنا، وأنزلها في كتابه، وأسماء علمها لأحد من خلقه، وأسماء استأثر بها في علم الغيب عنده، وهذه الأسماء هي صفات الكمال لله، التي لا توجد في غيره.
وحين نستحضر الاسم الجامع لكل صفات الكمال نقول: باسم الله. وتنهي المسألة. وحين ناقش العلماء مسألة التحريم والتحليل، قال بعضهم: إن الحق سبحانه وتعالى قال في أول سورة المائدة:
حرمت عليكم الميتة..
[المائدة: 3]. وهنا في سورة الأنعام يقول: ﴿ وقد فصل لكم ما حرم عليكم.. ﴾ [الأنعام: 119]. والمتنبهون من العلماء قالوا: إن سورة المائدة مدنية، ومعنى كونها مدنية أنها نزلت بعد السورة المكية، وسورة الأنعام مكية، وهل يقول الحق في السورة المكية ﴿ وقد فصل لكم ما حرم عليكم ﴾ في السورة المدنية؟ وبعض العلماء الذين أعطاهم ربنا نور بصيرة قال: لقد فصل لكم في سورة المائدة وجاء أيضا في سورة الأنعام فقال:
قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم