وهم قد عرضوا القضية بهذا الشكل غير المتسق لأن من الذي قتل؟ لقد قالوا: إن الميتة قتلها الله، فهل الله هو الذي قطع رقبتها؟ وهل ضربها الله على رأسها فأمات أصل إدارة الحياة وهو المخ؟ هل صوب شيئا إلى قلبها؟ سبحانه جل وعلا منزه عن مثل هذه الأفعال البشرية، فكيف يسمون الموت قتلا؟ إن تسمية الموت قتلا هو الخطأ، فقولهم: كيف تبيحون لأنفسكم ما قتلتموه أي بالذبح. ولا تبيحون ما قتله الله أي أماته، فيه مغالطة في عرض القضية، ويريد الله سبحانه وتعالى أن يضع عند المؤمنين مناعة من هذه الهواجس التي يثيرونها فقال: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين ﴾. وما معنى الذكر؟ إن عدم تحديد العلماء المعنى المقصود بالذكر، هو الذي أوجد بينهم خلافا كبيرا. فسيدنا الإمام مالك يرى أنك إذا ذبحت ولم تذكر اسم الله سواء أكنت ناسيا أم عامدا فلا يصح لك ان تأكل من الذبيحة. ويرى الإمام أبو حنيفة: إذا كنت لم تسم ناسيا فكل مما ذبحت، لكن إن كنت عامدا فلا تأكل، والإمام الشافعي - رضي الله عنه - يرى: ما دمت مؤمنا ومقبلا على الذبح وأنت مؤمن فكل مما لم تذكر اسم الله ناسيا أو عامدا لأن إيمانك ذكر لله. ونقول: ما هو الذكر؟ هل الذكر أن تقول باللسان؟ أو الذكر أن يمر الشيء بالخاطر؟ إن كنتم تقولون إن الذكر باللسان فلنبحث في الحديث القدسي الذي قاله الله تعالى:
" أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم. "
إذن فقد سمي ربنا الخاطر في النفس ذكرا وبذلك يصبح من حق الإمام الشافعي أن يقول ما قال. لذلك أقول: يجب أن نحدد معنى الذكر أولا حتى ننهي الخلاف حول هذه المسألة، فليس من المقبول أن نقيم معركة حول معنى " الذكر " لأن الذكر وهو خطور الأمر على البال قد يصحبه أن يخطر الأمر على اللسان مع الخطورة على البال، وقد يظل خطورا على البال فقط، بدليل ما جاء في الحديث السابق. والمؤمن حين يجد أمامه أشياء كثيرة، قد يوجد شيء جميل وآخر ليس له من الجمال شيء فالجاموسة أقل في الجمال من بعض الحيوانات التي حرم الله أكلها، وأقبل المؤمنون على ذبح الجاموسة ليأكلوا منها. ولم نسمع عن مسلم تقدم إلى حيوان حرم الله أكله ليذبحه، لماذا؟ لأن المؤمن يقبل على ما أحل الله، وهذا الإقبال دليل على أنه ذكر في نفسه المحلل والمحرم وهو الله، إذن اختياره حيوانا للذبح دليل على أنه ذكر الله في النفس أو في القول، وبهذا نتفق على أن ذكر المؤمن يكون في قلبه قال أو لم يقل، وينتهي الخلاف في هذه المسألة.
إذن الإمام الشافعي أخذ بهذه المسألة لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن أكل المسلم من ذبيحة لا يعرف من ذبحها وهل سمى أو لم يسم، أوضح لمن سأله: سم وكل. فالإنسان منا لا يحضر وقت الذبح دائما، ويكفيه أن يستحضر المحلل والمحرم ساعة الأكل. والحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: اذكروا اسم الله، وسبحانه يعلم أنك تقبل على أشياء لتفعلها. وهذه الأشياء تنقسم إلى قسمين: قسم يمر على بالك قبل أن تفعله، وقسم لا يمر على بالك، بل تفعله تلقائيا بدون ما يمر على البال، ومثال ذلك الأفعال العكسية كلها التي يفعلها الإنسان إنها لا تمر على باله. فلو حدث أن حاول واحد أن يضع إصبعه في عين آخر، فهذا الآخر يغمض عينيه تلقائيا. ويختلف ذلك عن الفعل الذي تفكر فيه قبل أن تفعله. فالذي يفعل الفعل بعد أن يمر بخاطره هو فعل ذو بال. ولذلك أراد الرسول عليه الصلاة والسلام ألا يكلفنا عناء أو مشقة فقال:
" كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع. "
والأمر ذو بال هو الأمر الذي يكون قد خطر على بالك أن تفعله أو لا تفعله. إذن فالله سبحانه وتعالى لا يكلفنا إلا عند الأمر الذي يمر على الخاطر لأنك حين تقبل على أي فعل فينفعل لك كما تريد، إن هذا من عطاء الله لك، وأنت حين تذبح عجلا، أو خروفا، وتتأمل أنت كيف يقدرك الله على هذا الكائن الحي. وإنك لم تفعل ذلك إلا لتسخير الله كل الكائنات لك. فباسم الله تذبحه. إذن هناك أمور كثيرة وأفعال ذات بال تمر عليك ومن حسن الأدب والإيمان أن تقبل عليها باسم الله. ولذلك يخطئ بعض الناس حين يظنون أن الإنسان عندما يذبح حيوانا فهو يؤذيه. لا، بل ذبح هذا الحيوان هو تكملة لمهمته في الحياة لأنه مخلوق لهذا الهدف ومذلل له. لقد قلنا سابقا: إن هناك عجيبة من عجائب المزاولات الفعلية، هذه العجيبة أنك حين تأتي إلى الحيوانات التي لم يحلها الله للإنسان، كالحمار مثلا إذا ما تعرضت هذه الحيوانات إلى ما يميتها، كأن التف حول عنقه حبل، واختنق فهو يموت دون أن يمد رقبته إلى الأمام، لكن الحيوان الذي أحله الله للأكل مثل الجاموسة أو الخروف أو العجل، نجد الحيوان من هذه الحيوانات إن اختنق يمد رأسه إلى الإمام، فيقول أهل الريف في مصر: إنه يطلب الحلال، أي الذبح.