تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الأنعام: 145]. أي فصل لك في هذه السورة المكية. وقد يأتي واحد من المولعين بالاعتراض أو من خصوم الإسلام ويقول: لم تذكر الآية كل الأشياء المحرمة لماذا؟ ونقول: القرآن هو الخطوط الأساسية في المنهج، وتأتي السنة بالتفصيل في إطار:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..

[الحشر: 7]. والحق يقول هنا: ﴿ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه.. ﴾ [الأنعام: 119]. واضطرار هو أمر ملجئ إلى شيء غير الأسباب الكونية المشروعة. ومعنى كونه مضطرا أنه يلجأ إلى شيء فقد أسبابه المشروعة كالذي يريد أن يأكل ليستبقي الحياة، فإذا لم يجد من الحل ما يستبقي به الحياة فهو مضطر. ونقول له: خذ من غير ما أحل الله بالقدر الذي يدفع عنك الضرورة. فكل من الميتة بقدر الضرورة ولا تشبع. والحق يقول:

فمن اضطر في مخمصة..

[المائدة: 3]. والمخمصة هي المجاعة. إذن فالاضطرار هو شيء فوق الأسباب المشروعة للعمل. والله سبحانه وتعالى يعطي الإنسان الرخصة في أن يتناول ما حرمه إذا كان مضطرا. ﴿ إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم.. ﴾ [الأنعام: 119]. والذين يضلون بأهوائهم بغير علم هم من أرادوا زراعة الشك في نفوس المسلمين. ومعنى الضلال بالهوى أي أن تكون عالما بالقضية، ولكن هواك يعدل بك عن مراد الحق من القضية. ولذلك يصف الحق رسوله صلى الله عليه وسلم:

وما ينطق عن الهوى

[النجم: 3]. وحين يقول الحق: ﴿ وإن كثيرا ليضلون بأهوائه ﴾ فمعنى ذلك أنه يوجد ضلال بغير هوى، وهو عدم وصول الإنسان إلى الحقيقة لأنه لا يعرف الطريق إليها، والضلال بالهوى أي أن تكون عندك الحقيقة وأنت عارف بدروبها ولكنك تعدل عنها.

﴿ وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم.. ﴾ [الأنعام: 119]. وساعة ترى مجيء متعلق بعد " يضلون " وهو قوله: ﴿ بأهوائهم ﴾ تقول كأن هناك ضلالا بغير علم، وهو غير مذموم لأن صاحبه لا يعرف الحكم في القضية، وهذا يختلف عن الذي يضل وهو يعرف الحكم، فهذا ضلال بالهوى، وهذا الفهم يحل لنا إشكالات كثيرة أيضا. و ﴿ بغير علم ﴾ أي ليس عندهم علم بالقضية وأحكامها. ويذيل الحق الآية بقوله: ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ [الأنعام: 119]. وقد أفسح الله في النص القرآني لبعض خلقه الذين يعرفون المهتدى من غير المهتدى، والكثير من الناس لا يعلمون المهتدى من غير المهتدى ولكن إن علموا فالله أعلم. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وذروا ظاهر الإثم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦٨٩